تعز.. بين الأزمات المعيشية والاختلالات الخدمية: مدينة مثقلة بالجبايات وارتفاع الأسعار

تعز.. بين الأزمات المعيشية والاختلالات الخدمية: مدينة مثقلة بالجبايات وارتفاع الأسعار

(الأول)خاص

تشهد مدينة تعزاليمنية واحدة من أكثر الفترات تعقيداً على المستوى المعيشي والاقتصادي في ظل تراكم أزمات الخدمات الأساسية وارتفاع الأسعار وتزايد الشكاوى من ممارسات جبايات غير قانونية إضافة إلى تراجع الدور الرقابي للمؤسسات المختصة.

 ويقول مواطنون وناشطون إن هذه العوامل مجتمعة جعلت الحياة اليومية في المدينة أكثر صعوبة خصوصاً بالنسبة للفئات الفقيرة والباعة المتجولين الذين يعتمدون على العمل اليومي كمصدر رئيسي للعيش.

جبايات تضاعف معاناة الباعة المتجولين.

خلال الأسابيع الأخيرة، أفاد باعة متجولون في عدد من أسواق مدينة تعز بتعرضهم لعمليات تحصيل مبالغ مالية تحت مسميات مختلفة أبرزها رسوم الأرصفة والنظافة.

 وأوضح الباعة أن هذه المبالغ تتراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف ريال لكل بسطة وهو ما يشكل عبئاً كبيراً عليهم في ظل ضعف المبيعات وتراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين.

ووفق شهادات ميدانية فإن عمليات التحصيل تتم أحياناً عبر أفراد يبرزون مستندات تحمل مسميات متعهدي تحصيل رسوم الأمر الذي أثار تساؤلات حول قانونية هذه الإجراءات والجهات التي تقف خلفها. ويقول باعة إن هذه الجبايات تقتطع جزءاً كبيراً من أرباحهم اليومية ما يهدد استمرارهم في العمل ويضاعف من معاناة الأسر التي يعتمد دخلها على هذه الأنشطة البسيطة.

حادثة اعتداء تثير غضباً واسعاً

وفي حادثة أخرى تعكس حجم الاحتقان الاجتماعي شهدت مدينة التربة بمديرية الشمايتين واقعة اعتداء على بائع متجول من قبل عامل نظافة بحسب روايات شهود عيان. 

وذكر مرافقون للبائع أن العامل طالب بدفع مبلغ مالي تحت مسمى رسوم نظافة وعندما أخبره البائع أنه لم يبدأ البيع بعد ولا يملك المال قام العامل بالاعتداء عليه جسدياً ومصادرة جزء من بضاعته.

وقد توجه البائع إلى مركز الشرطة لتقديم بلاغ رسمي إلا أن مصادر محلية أفادت بأن المعتدي لم يتم توقيفه حتى الآن، الأمر الذي أثار انتقادات من مواطنين طالبوا بضرورة محاسبة المتورطين في مثل هذه الحوادث.

أزمة الكهرباء.. معاناة مستمرة منذ سنوات.

تعد أزمة الكهرباء واحدة من أبرز التحديات التي تواجه سكان تعز حيث يعاني المواطنون من انقطاع التيار الحكومي منذ سنوات طويلة الأمر الذي دفعهم للاعتماد على الكهرباء التجارية ذات التكلفة المرتفعة. وتشير تقارير محلية إلى أن انقطاع الكهرباء الحكومية استمر لسنوات منذ الحرب ما أدى إلى انتشار شركات الكهرباء الخاصة التي توفر الخدمة بأسعار مرتفعة.

ويؤكد مواطنون أن تعرفة الكهرباء التجارية شهدت ارتفاعات متكررة خلال السنوات الماضية حيث وصلت في بعض الفترات إلى نحو 1100 ريال للكيلو وات وهو ما أثار موجات استياء واسعة بين السكان بسبب الكلفة المرتفعة مقارنة بدخل الأسر.

ويرى مراقبون أن استمرار غياب الكهرباء الحكومية أتاح المجال لانتشار هذا النمط من الاستثمار في الطاقة ما جعل الخدمة الأساسية رهينة للسوق التجارية التي تتحكم في الأسعار.

ارتفاع الأسعار يهدد الأمن الغذائي للأسراقتصادياً.

 تواجه تعز موجة ارتفاع متواصلة في أسعار السلع الأساسية شملت المواد الغذائية والمشتقات النفطية.

 ويقول مواطنون إن أسعار عدد من السلع ارتفعت بنسبة تجاوزت 30% خلال فترات متقاربة في ظل غياب رقابة فاعلة على الأسواق.

كما اشتكى سكان المدينة من زيادة أسعار الوقود والمواد الغذائية الأمر الذي ينعكس مباشرة على تكاليف النقل وأسعار السلع في الأسواق المحلية.

وتشير هذه التطورات إلى أن كثيراً من الأسر باتت عاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية خصوصاً في ظل محدودية فرص العمل وانخفاض القدرة الشرائية.

اضطراب سوق الصرافة وتأثيره على المواطنين.

في سياق متصل شهدت مدينة تعز خلال الفترة الأخيرة اضطراباً في سوق الصرافة حيث أغلقت بعض محلات الصرافة أبوابها أمام عمليات صرف العملات الأجنبية مثل الريال السعودي والدولار أو قامت بفرض أسعار صرف منخفضة مقارنة بالسوق.

ويؤكد مواطنون أن هذه الإجراءات أثرت بشكل مباشر على الأسر التي تعتمد على تحويلات المغتربين كمصدر دخل رئيسي إذ يجد الكثير منهم صعوبة في استلام حوالاتهم أو تحويلها إلى العملة المحلية بأسعار مناسبة.

ويرى اقتصاديون أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى مزيد من التدهور في الوضع المعيشي خصوصاً في ظل اعتماد شريحة واسعة من السكان على الحوالات الخارجية لتغطية احتياجاتهم اليومية.

شبهات فساد في بعض المؤسسات الإيرادية

على الصعيد الإداري تحدثت مصادر محلية عن شكاوى متزايدة تتعلق بفرض رسوم وضرائب غير واضحة الأساس القانوني في بعض المكاتب الإيرادية خصوصاً في مديرية الشمايتين.

ويقول تجار إنهم يواجهون أحياناً ضغوطاً مالية خلال معاملاتهم الإدارية في ظل غياب الشفافية حول مصير الإيرادات التي يتم تحصيلها من الأسواق والأنشطة التجارية المختلفة.

كما أثيرت تساؤلات حول آليات الصرف والرقابة المالية في بعض المؤسسات الخدمية مثل صندوق النظافة والتحسين بعد تقارير تحدثت عن إنفاق مبالغ كبيرة تحت مسميات مختلفة، بما في ذلك مكافآت ومصاريف إدارية وعمولات تحصيل.

ويرى خبراء أن غياب الرقابة الفاعلة والشفافية في إدارة الموارد المحلية يساهم في تفاقم الأزمات الخدمية والاقتصادية التي تعاني منها المدينة.

مخاوف من تصاعد الانفلات الأمني.

إلى جانب الأزمات الاقتصادية والخدمية، يعبر مواطنون عن قلقهم من تزايد مظاهر الانفلات الأمني في بعض أحياء المدينة، حيث تشير تقارير محلية إلى انتشار السلاح بين المدنيين وظهور مسلحين على متن دراجات نارية في الأسواق والأحياء المكتظة.

ناشطون.

ويقول ناشطون إن هذه الظواهر تمثل تهديداً مباشراً لسلامة السكان، مطالبين بتفعيل الإجراءات الأمنية وتنظيم حمل السلاح ومنع التجول المسلح داخل المدينة.

إزالة بسطات الباعة تثير جدلاً

في سياق آخر، أثارت حملة لإزالة البسطات والعربات الخاصة بالباعة المتجولين في منطقة بير باشا موجة غضب واسعة بين المواطنين.

 وأفاد شهود عيان بأن الحملة نفذت باستخدام أطقم عسكرية وجرافات قامت بإزالة عدد من البسطات بدعوى تنظيم المدينة وإزالة العشوائيات.

غير أن ناشطين اعتبروا أن هذه الإجراءات قد تزيد من معاناة الأسر الفقيرة التي تعتمد على هذه الأعمال كمصدر دخل أساسي، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها المدينة.

دعوات لإصلاحات عاجلة.

في ظل هذه الأوضاع، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين وخبراء اقتصاديين إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة الأزمات المتفاقمة في تعز بدءاً من ضبط الجبايات غير القانونية وتعزيز الرقابة على الأسواق، مروراً بإصلاح المؤسسات الخدمية والرقابية، وصولاً إلى إيجاد حلول مستدامة لأزمة الكهرباء وتحسين الوضع الاقتصادي.

ويرى مراقبون أن تحسين الظروف المعيشية في تعز يتطلب إصلاحات إدارية واقتصادية شاملة، إضافة إلى تفعيل دور المؤسسات الرقابية وتوفير الخدمات الأساسية، بما يعيد شيئاً من الاستقرار إلى حياة المواطنين الذين يواجهون يومياً تحديات متزايدة في سبيل تأمين أبسط متطلبات الحياة.