بيوت بلا أبواب في تعز.. حكاية حلم وكابوس!!
آلاف العائلات بين مرارة النزوح وحلم العودة إلى منازل لم تعد تعرفها
تعز (الأول) موسى المليكي:
في مدينة تعز، حيث تختلط أصوات المآذن بأصداء الحرب الممتدة منذ سنوات، تتكرر مأساة لا تحظى بالاهتمام الكافي رغم قسوتها وعمق آثارها الإنسانية. مأساة تبدأ من باب منزل أُغلق على عجل تحت وابل الرصاص، ولا تنتهي عند سنوات من النزوح والانتظار والوعود المؤجلة.
خلف الجدران التي تركها أصحابها هرباً من الموت، تشكلت حكايات أخرى؛ حكايات منازل يقول مالكوها إنها تحولت إلى مقار عسكرية أو أمنية أو أماكن سكن لمسلحين ونافذين، فيما بقي أصحابها الشرعيون مشتتين بين المدن والمخيمات وشقق الإيجار الضيقة، يراقبون من بعيد مصير ممتلكاتهم التي أفنوا أعمارهم في بنائها.
هذه القضية التي يصفها حقوقيون بأنها واحدة من أخطر الملفات الإنسانية والقانونية المؤجلة في تعز، لا تتعلق فقط بالعقارات والممتلكات، بل تمس جوهر العدالة وحق الإنسان في الأمن والاستقرار والملكية الخاصة.
"خرجنا أسبوعاً واحداً".. فغاب البيت تسع سنوات
يجلس الستيني أبو أحمد في شقة متواضعة استأجرها في أحد أحياء المدينة، وهو يقلب صور منزله القديم المحفوظة في هاتفه المحمول.
يقول بحسرةعندما اشتدت المعارك غادرنا المنزل على أساس أننا سنعود بعد أيام أو أسابيع. حملنا الأطفال وبعض الملابس فقط، وأغلقنا الباب وتركنا كل شيء خلفنا. لم نكن نتصور أن سنوات طويلة ستمر ونحن عاجزون عن العودة."
يتوقف قليلاً قبل أن يضيف بنيت ذلك البيت بعد أكثر من عشرين عاماً من الاغتراب والعمل الشاق. كنت أحلم أن أجمع أولادي وأحفادي فيه. اليوم أمر أحياناً بالقرب منه ولا أستطيع حتى الاقتراب من البوابة."
قصة أبو أحمد ليست استثناءً، بل نموذج لعشرات وربما مئات القصص المتشابهة التي تتداولها الأوساط المجتمعية والحقوقية في تعز منذ سنوات.
منازل المدنيين في قلب الصراع
مع اتساع رقعة المواجهات المسلحة خلال سنوات الحرب، وجدت أحياء كاملة نفسها على خطوط التماس أو بالقرب منها. ومع نزوح السكان، أصبحت بعض المنازل المهجورة مواقع ذات أهمية عسكرية أو أمنية بحكم موقعها الجغرافي أو مساحتها أو طبيعة بنائها.
ويؤكد ناشطون حقوقيون أن استمرار استخدام بعض الممتلكات الخاصة لفترات طويلة خلق أزمة معقدة، إذ تحولت القضية من إجراءات مؤقتة مرتبطة بظروف الحرب إلى نزاع مزمن بين الملاك والجهات أو الأفراد الذين استقروا داخل تلك العقارات.
ويرى مراقبون أن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها رسخت شعوراً متزايداً لدى المواطنين بأن القانون أصبح عاجزاً عن حماية أبسط حقوقهم الأساسية.
رحلة استعادة المنزل.. من المحاكم إلى أبواب النفوذ
لا تنتهي معاناة المالك عند تقديم شكوى أو رفع دعوى قضائية، بل تبدأ رحلة طويلة من الإجراءات والمعاملات والمراجعات.
يروي المواطن محمد عبده، وهو اسم مستعار بناء على طلبه، تجربته قائلاًحصلت على وثائق ملكية وأحكام قضائية وتوجيهات رسمية. كنت أعتقد أن الأمر انتهى وأنني سأستلم منزلي خلال أيام، لكن شيئاً لم يحدث."
ويتابع كل جهة تحيلني إلى جهة أخرى. أحياناً يقال لي انتظر تشكيل لجنة، وأحياناً يقال إن الملف قيد المتابعة. مرت سنوات وأنا أدور في الحلقة نفسها."
ويؤكد أن أكبر صدمة تعرض لها كانت عندما اكتشف أن تنفيذ الأحكام القضائية لا يسير بالسهولة التي كان يتوقعها.
"شعرت أن الأوراق التي أحملها لا تملك القوة الكافية لاستعادة حق واضح ومثبت."
القضاء بين النصوص والواقع
قانونياً، تبدو الصورة واضحة؛ فحق الملكية الخاصة مكفول في الدساتير والتشريعات الوطنية والمواثيق الدولية. لكن المشكلة، بحسب قانونيين، لا تكمن في غياب النصوص، بل في آليات التنفيذ.
ويقول أحد المحامين العاملين في قضايا الممتلكات إن العديد من النزاعات المتعلقة بالمنازل تحتاج إلى إرادة تنفيذية قوية أكثر من حاجتها إلى نصوص قانونية جديدة.
ويضيف لدينا قوانين، ولدينا أحكام، ولدينا جهات مختصة. السؤال الحقيقي هو: من يملك القدرة على تنفيذ القرار عندما يصطدم بالنفوذ أو السلاح؟"
بيوت عادت إلى أصحابها.. ولكنها لم تعد كما كانت
بعض الأسر تمكنت بالفعل من استعادة منازلها بعد سنوات من المتابعة والمناشدات والوساطات، لكن المفاجأة كانت بانتظارها.
تقول أم خالد، وهي معلمة نازحةعندما دخلنا المنزل لأول مرة بعد سنوات شعرت وكأنني أدخل مكاناً غريباً."
وتضيف بصوت متهدج الأبواب اختفت، النوافذ مكسورة، شبكة الكهرباء تالفة، والأثاث لم يبق منه شيء. حتى الأشجار التي زرعها زوجي في الحديقة لم تعد موجودة."
وتصف تلك اللحظة بأنها كانت مزيجاً من الفرح والحزن.
"فرحت لأنني عدت إلى بيتي، لكنني بكيت لأن البيت الذي عدت إليه لم يكن هو البيت الذي غادرته."
أزمة تتجاوز العقار إلى النسيج الاجتماعي
لا تتوقف تداعيات القضية عند الجانب المادي فقط، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية للمدينة.
فكل منزل محتجز أو متنازع عليه يمثل عائلة تعيش حالة من القهر والانتظار، وأطفالاً نشأوا بعيداً عن ذكرياتهم الأولى، وأسرًا استنزفتها الإيجارات والديون والبحث المستمر عن حلول.
ويحذر مختصون اجتماعيون من أن استمرار هذه الملفات دون معالجة جذرية قد يترك آثاراً طويلة الأمد على الثقة المجتمعية، ويعمق مشاعر الظلم والاحتقان بين فئات المجتمع المختلفة.
صرخات حقوقية لا تتوقف
على مدار السنوات الماضية، أطلق ناشطون ومنظمات مجتمع مدني عشرات المبادرات والبيانات والوقفات الاحتجاجية للمطالبة بحل القضية.
ورغم الوعود المتكررة، يرى كثير من المتضررين أن النتائج ما تزال دون مستوى التطلعات.
ويقول أحد الناشطين الحقوقيين هذه ليست قضية عقارات فقط، بل قضية كرامة إنسانية وسيادة قانون. عندما يعجز المواطن عن استعادة منزله رغم امتلاكه الوثائق والأحكام، فإن الرسالة التي تصل للمجتمع بأكمله خطيرة للغاية."
العدالة المؤجلة
اليوم، وبعد سنوات من الحرب والنزوح، لا تزال آلاف الأسر تنتظر لحظة العودة إلى منازلها.
ينتظرون قراراً ينهي سنوات الضياع، ويعيد للبيوت أصحابها، وللقانون هيبته، وللمدنية مكانتها في مدينة دفعت ثمناً باهظاً للحرب.
ففي تعز، لا يقتصر النزاع على خطوط الجبهات والمتاريس، بل يمتد إلى أبواب المنازل المغلقة، حيث يقف أصحابها كل يوم أمام سؤال واحد:
متى يعود البيت بيتاً؟
ذلك السؤال الذي قد يبدو بسيطاً، لكنه بالنسبة لآلاف العائلات يمثل الفرق بين حياة معلقة على أرصفة النزوح، ومستقبل يبدأ من جديد خلف باب منزل طال انتظاره.



