حين عجزت الجيوب عن شراء دراجة.. أبٌ في جبل حبشي يصنع لولده حلمًا من الخشب
تعز – موسى المليكي.
في مشهد تختلط فيه مرارة الظروف الاقتصادية بقوة الأبوة، أقدم أبٌ كادح من مديرية جبل حبشي بمحافظة تعز على صناعة دراجة هوائية من الخشب لنجله، بعدما تعرّض الطفل للتنمّر والسخرية من بعض أبناء المغتربين في المنطقة بسبب عدم امتلاكه دراجة مثل أقرانه.
لم يكن الأب يملك المال الكافي لشراء دراجة هوائية لابنه، لكن ذلك لم يمنعه من محاولة رسم ابتسامة على وجه طفله. وبأدوات بسيطة ومواد متاحة، بدأ الأب العمل على صناعة دراجة خشبية، محاولًا أن يعوّض ابنه عن شيء عجزت الظروف المعيشية عن توفيره.
وتكشف هذه القصة جانبًا مؤلمًا من واقع الأطفال في بعض المناطق الريفية، حيث تتحول الفوارق المادية بين الأسر إلى سبب للتنمر والسخرية، فيجد الطفل نفسه أمام مقارنة قاسية بين ما يملكه وما يملكه الآخرون.
وبدلًا من أن يستسلم الأب لشعور العجز، اختار أن يحوّل إمكاناته المحدودة إلى وسيلة لإسناد ابنه نفسيًا، مؤكدًا له بطريقة عملية أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك من مال أو ممتلكات.
الدراجة الخشبية، التي قد تبدو للوهلة الأولى مجرد محاولة بسيطة لصناعة لعبة، تحمل في تفاصيلها رسالة أكبر من ذلك؛ فهي تعكس كفاح أبٍ يحاول حماية مشاعر ابنه، ويبحث عن طريقة ليقول له إن الفقر ليس عيبًا، وإن عدم القدرة على شراء الأشياء التي يمتلكها الآخرون لا ينبغي أن يكون سببًا للشعور بالنقص.
كما تفتح الحادثة الباب أمام تساؤلات أوسع حول ظاهرة التنمر بين الأطفال، وآثارها النفسية، خصوصًا عندما يكون التنمر قائمًا على الوضع المادي أو الاجتماعي للأسرة. فالكلمات التي قد يراها البعض مجرد مزاح عابر، يمكن أن تترك في نفس الطفل أثرًا عميقًا، وتؤثر في ثقته بنفسه وعلاقته بالمجتمع المحيط به.
وفي المقابل، يقدم موقف الأب نموذجًا بسيطًا لمعنى التضحية؛ إذ لم يتعامل مع معاناة ابنه باعتبارها مشكلة مادية فحسب، بل حاول أن يمنحه شعورًا بالاهتمام والاحتواء، وأن يحوّل موقفًا مؤلمًا إلى تجربة تحمل شيئًا من الأمل.
وتبقى الدراجة المصنوعة من الخشب أكثر من مجرد وسيلة للتنقل أو لعبة لطفل؛ إنها حكاية أبٍ كادح واجه قلة الإمكانات بالعمل، وحاول أن يصنع بيديه ما عجزت جيوبه عن شرائه، في مشهد يلخص جانبًا من معاناة الأسر اليمنية، وفي الوقت نفسه يجسد قوة الأبوة حين تتحول الإمكانات البسيطة إلى فعل كبير في نظر طفل صغير.
فقد لا تكون الدراجة مصنوعة من الحديد والإطارات الحديثة، لكنها بالنسبة لطفلٍ أراد فقط أن يشبه أقرانه، قد تكون أغلى هدية صنعها له والده بيديه.



