وهم القوة والسيطرة.. إخفاق الانتقالي في زمن التحولات!
لم يكن فشل محاولات فرض السيطرة على المحافظات الشرقية مجرد إخفاق عسكري عارض، بل لحظة كاشفة لوهم سياسي طالما حكم سلوك المجلس الانتقالي الجنوبي. فقد سقطت دفعة واحدة، جملة من المسلّمات التي بُنيت عليها رهانات فرض الأمر الواقع، وتبيّن أن الوعي السياسي والمجتمعي تجاوز منطق القوة، ولم يعد يقبل إعادة إنتاجه بصيغ جديدة.
أولى هذه الأوهام تمثلت في الاعتقاد بأن امتلاك السلاح والانتشار العسكري كفيلان بفرض السيطرة السياسية. صحيح أن هذا المنطق نجح في لحظات سابقة، كما في عدن الحاضنة للجميع من مختلف المحافظات اليمنية، لكنه فشل بوضوح في المحافظات الشرقية، حيث أثبتت الوقائع أن القوة، في غياب القبول المجتمعي، لا تصنع شرعية، بل تتحول إلى عبء سياسي وأخلاقي.
كما انهارت مسلّمة التمثيل الجنوبي الأحادي امام حقيقة باتت لا تقبل الجدل وهي أن الجنوب ليس كتلة سياسية واحدة، ولا يمكن اختزاله في مكون او خطاب. التعدد الجغرافي والاجتماعي انتج اولويات مختلفة، واصواتا جنوبية رافضة للاحتكار، ما نسف سردية التفويض المطلق، وفرض الاعتراف بالتنوع كشرط لاي مشروع قابل للاستمرار.
راهن الانتقالي، كذلك، على أن مظلة القوى الخارجية كافية لإبقاء المجتمع المحلي في حالة حياد، وأن التلويح بالقوة سيُخضع الناس للأمر الواقع. غير أن ما جرى في حضرموت والمهرة قدم درسا مغايرا؛ إذ برز رفض سياسي واجتماعي واضح، ولعبت القبائل والنخب المحلية دورا ضابطا للتوتر، مؤكدة أن المجتمع لم يعد ساحة صامتة، بل فاعلا واعيا وحدوده واضحة.
والأخطر أن المجلس راهن على ضعف الدولة، باعتباره فرصة لفرض نفسه كبديل، وعلى الدعم الخارجي كأداة حسم داخلي. الا أن هذا الرهان ارتد عليه، مع تراجع حضوره السياسي خارج مناطق نفوذه التقليدية، وتآكل قدرته على تسويق مشروعه بوصفه امرا واقعا قابلا للتعميم.
اليوم، ومع انكشاف حدود القوة، يتقدم خطاب الشراكة والاعتراف بالتعدد الى الواجهة. ويأتي الإعلان عن مؤتمر جنوبي – جنوبي كاعتراف متأخر بأن الإقصاء لم يعد ممكنا. غير أن قيمة هذا المؤتمر لن تُقاس بإعلانه، بل بقدرته على التحول الى حوار حقيقي، لا الى مظلة شكلية لإعادة ترتيب النفوذ.
في ظروف بلادنا، تؤكد الوقائع أن المشاريع المسلحة، مهما رفعت من شعارات، تعجز عن إدارة التنوع وبناء الاستقرار، بل تفتح الباب للفوضى والانقسام. في المقابل، تظل الدولة وحدها، رغم هشاشتها، الإطار الأول والأكثر أمانًا لحماية السلم الاجتماعي. وما لم تُستوعب دروس هذه المرحلة، فإن وهم القوة سيواصل إعادة إنتاج الإخفاق، ولن يفتح أفقًا لاستقرار حقيقي ومستدام.
