الحكم الذاتي خيارٌ لا بدّ منه!

عاشت حضرموت، على امتداد تاريخها خلال القرن الماضي، حالةً من الأمن والاستقرار السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، شأنها شأن بقية الأقاليم العربية التي خضعت للنفوذ الاستعماري. فقد وُقِّعت اتفاقيات الحماية البريطانية مع سلاطين حضرموت، ثم تطورت لاحقًا إلى اتفاقيات استشارة، مما أسهم في ترسيخ حالة من الهدوء والسلام، وأتاح للحضارم التفرغ للبحث عن لقمة العيش في أقطار العالم المختلفة.
لم تشهد حضرموت نزاعات خطيرة أو انزلاقات كبرى تهدد المجتمع الحضرمي، وهو ما عزز لدى أبنائها، على اختلاف فئاتهم، ثقافة السلام والألفة والعمل الجاد داخل حضرموت وخارجها. وساهم في ذلك توقيع اتفاقيات الصلح التي أبرمها سلاطين حضرموت بجهود من سلطان حضرموت غير المتوَّج، المستشار البريطاني المستر هارولد إنجرامس عام 1937م.
استمرت الأوضاع بين أفراد المجتمع وبين الحكام من السلاطين في أمن وسلام، وإن وقعت بعض الحوادث المحدودة، مثل الخلافات بين سلطان القعيطي وبعض قبائل الهضبة الحضرمية، إلا أنها حُلَّت بالحكمة، وانتهت دون آثار خطيرة. كما شهدت حضرموت حركة بن عبدان في منطقة الغرفة أثناء الحرب العالمية الثانية، والتي انتهت بالقصف الجوي البريطاني وقُمعت. ووقعت حادثة القصر عام 1950م في المكلا، وكانت مطالبها وطنية، حيث طالب الحضارم بحاكم وطني من أبناء حضرموت، لا شخصية من خارجها، وانتهت هذه الخلافات أيضًا بحكمة سلاطين حضرموت.
في ستينيات القرن الماضي، ومع تصاعد حركات التحرر في العالم العربي، تأثرت حضرموت بتلك الموجة، في ظل وعي اجتماعي مختلف عن واقعنا اليوم. وفي عام 1967م أُسقطت السلطنات، وخضعت حضرموت بالقوة وضُمّت قسرًا إلى جنوب اليمن.
ولا أستعرض هذا التاريخ إلا من باب ربط الأحداث، إذ عانت حضرموت معاناة كبيرة خلال تلك المرحلة، حتى كاد اسمها أن يُمحى. وتعرضت لشتى أنواع الانتهاكات من نظام الجنوب، من سحل وانتفاضات وتأميم ومنع للهجرة، ومع ذلك بقيت حضرموت واحةً للسلم والسلام.
ثم جاءت الوحدة اليمنية التي كانت في جوهرها هروبًا من نظام اليمن الديمقراطية بعد سقوط الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية. استبشر الشعب في بدايتها بالحرية والديمقراطية، غير أن تلك الآمال سرعان ما انتكست نتيجة الخلافات بين شركاء الوحدة، والتي تُوِّجت بحرب 1994م.
وسقطت حضرموت مع الجنوب، وخضعت لحكم قبلي، وأصبحت مهمشة خلال فترة حكم علي عبدالله صالح. نُهبت الثروات والأراضي، وسُرِّح كثير من الموظفين، وهيمنت قبائل الشمال على القرار، دون معالجة حقيقية لآثار الحرب بما يضمن الأمن والاستقرار.
ومع اندلاع ثورات الربيع العربي، تنازل صالح لنائبه، لكن الحوثيين تمكنوا من دخول صنعاء والسيطرة عليها منذ عام 2014م، لتدخل البلاد في صراع مستمر حتى اليوم، رغم تدخل التحالف العربي لإعادة الشرعية. وقد مضى على هذا الصراع أكثر من عشر سنوات، مع تعثر استعادة الدولة لأسباب عديدة.
نمرّ اليوم بظرف بالغ الصعوبة، وتفاقمت الأزمة مع دخول قوات المجلس الانتقالي إلى حضرموت في 2 ديسمبر 2025م، بزعم القضاء على المنطقة العسكرية الأولى ومنع تهريب الحوثيين. غير أن تلك القوات انحرفت عن الهدف المعلن، ودخلت في صراع مع حلف حضرموت، ما أدى إلى اندلاع معارك في الهضبة الحضرمية، رغم تدخل التحالف السعودي لوقف الانزلاق، وتوقيع اتفاق برعاية سعودية بين السلطة المحلية ممثلة بالمحافظ وحلف حضرموت.
إلا أن قوات الانتقالي تجاهلت الاتفاق، واستمرت في المواجهات في مناطق الهضبة وغيل بن يمين وعيص خرد، وفرضت سيطرتها على الوادي، رغم دعوات وجهود المملكة العربية السعودية لإيقاف نزيف الدم. وعندما استُنفدت كل المحاولات، تدخلت قوات درع الوطن بغطاء جوي سعودي، وانسحبت قوات الانتقالي من حضرموت، نظرًا لما تمثله حضرموت من عمق استراتيجي وأمني للمملكة، بحدود برية تتجاوز 600 كيلومتر، إضافة إلى محافظة المهرة المتاخمة لسلطنة عمان.
نأمل أن تكون هذه الأزمة قد انتهت، وإن ظلت آثارها البشرية والمادية قائمة لسنوات، من خسائر وتدمير ونهب. غير أن الأهم هو عدم تكرار مثل هذه الأحداث في حضرموت مستقبلًا.
إن الحكم الذاتي يمثل السبيل الأمثل لتجاوز كل أحداث الماضي. فحضرموت، أرضًا وإنسانًا وثروةً وكفاءات ناضجة، تستحق أن يسودها الأمن والسلام والتنمية والاستقرار. وهي إقليم غني بثرواته المعدنية وغيرها، وقادر على إدارة شؤونه بكفاءة.
تأتي دعوة فخامة الرئيس اليمني رشاد العليمي لعقد مؤتمر جنوبي تستضيفه المملكة العربية السعودية، لمناقشة القضية الجنوبية بمشاركة جميع المكونات الجنوبية والحضرمية، خطوةً مهمة لوضع حلول ترضي الجميع.
إن حضرموت التي عانت منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم، تضع أمام قيادة الشرعية ومؤتمر الرياض مطلبها الواضح، وهو الحكم الذاتي، لتقديم نموذج ناجح في الإدارة والاقتصاد والمجتمع والثقافة، في إطار الدولة اليمنية شمالًا وجنوبًا والأقاليم المختلفة، فمقومات النهوض متوافرة، لكنها لن تتحقق دون استقرار سياسي حقيقي يتمثل في الحكم الذاتي.
وقد عمل حلف حضرموت خلال الفترة الماضية على تشكيل لجان متخصصة وإعداد دراسات متكاملة حول الحكم الذاتي، مستفيدًا من تجارب شعوب سبقتنا في هذا المجال، وأصبحت الوثائق والرؤى جاهزة.
ومن هنا نطالب مؤتمر الرياض المرتقب، وبعد موافقة المملكة والمكونات الحضرمية والجنوبية، بإقرار حكم ذاتي واسع الصلاحيات لحضرموت، بما يحقق الفائدة للجميع، ويطمئن أبناء الدولة اليمنية شمالًا وجنوبًا، ويرفع عنهم المعاناة.
نأمل من جميع القوى السياسية الحضرمية واليمنية تفهّم مطالب حضرموت المشروعة، بما يضمن نجاح المؤتمر والسير في طريق آمن يحقق الاستقرار والسلام للجميع، والله من وراء القصد.