بعد سقوط المعاهدة (النووية) بين روسيا وأمريكا.. أمن (العالم) وحياة (البشرية) على حافة المجهول!!
تقرير (الأول) المحرر السياسي:
مع انتهاء معاهدة نيو ستارت، آخر اتفاق نووي بين أقوى قوتين نوويتين في العالم، روسيا والولايات المتحدة، يتهيأ النظام الدولي لدخول مرحلة جديدة من عدم اليقين والاستقطاب الاستراتيجي. فهذه المعاهدة، التي كانت تُعد دعامة أساسية لضبط التسلح النووي لسنوات طويلة، انتهت رسميًا دون تجديد أو استبدال، ما قد يفتح الباب أمام سباق تسلح نووي وتوترات جيوسياسية متسارعة.
سباق تسلح نووي بلا ضوابط
أهم ما يميز نهاية المعاهدة هو اختفاء القيود القانونية التي حددت أعداد الرؤوس النووية الإستراتيجية وعدد أنظمة الإطلاق لدى الطرفين، وهي قيود لم تكن موجودة منذ عقود. هذا يخلق فراغًا في الرقابة والشفافية ويمكن أن يقود إلى سباق تسلح نووي جديد أسرع مما يتوقع الكثيرون.
تآكل آليات الثقة والرصد بين القوى النووية
كانت المعاهدة تشمل آليات تفتيش، وتبادل معلومات، وإشعارات مسبقة بشأن التحديثات أو تغييرات في الترسانة. مع اختفائها، يزداد احتمال سوء التقدير العسكري، خاصة في أوقات توتر، ما يجعل الأمن الدولي أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
تأثيرات على الشرق الأوسط والمنطقة العربية
زيادة المخاطر النووية الإقليمية
غياب القيود بين القوتين النوويتين قد يسرّع في سباق تسلح نووي إقليمي، خاصة في مناطق تشهد بالفعل أطماعًا أو توترات نووية محتملة (مثل ملف إيران النووي). هذا الوضع قد يدفع بعض الدول إلى تعزيز خياراتها الاستراتيجية بما في ذلك التفكير في قدرات ردع نووي أو شبه نووي إذا شعرت بأن التوازن الاستراتيجي العالمي يتغير.
تغيّر السياسات الدفاعية
من دون قيود دولية واضحة، قد تزيد التحالفات الإقليمية وتتشدد سياسات التحصين العسكري لدى دول الخليج وشركاء في المنطقة، بما في ذلك شراء نظم دفاع صاروخي متقدمة، أو تعزيز وجود عسكري مع قوى خارجية.
الذكاء الاصطناعي… عامل مضاعف للمخاطر
في الوقت الذي ينتهي فيه الاتفاق، يشهد العالم أيضًا تطورًا سريعًا في تقنيات الذكاء الاصطناعي المرتبطة بالأسلحة وأنظمة القيادة والسيطرة. ورغم أن المعاهدة لا تتعلق مباشرة بالذكاء الاصطناعي، فإن الأسلحة النووية المتصلة بأنظمة ذكاء اصطناعي غير منظمة تثير مخاوف إضافية من:
استجابات عسكرية تلقائية قد تُسرّع في التصعيد النووي من دون إشراف بشري مباشر.
قرارات استراتيجية تُتخذ بسرعة عالية بسبب الخوارزميات العسكرية، ما يزيد احتمال الأخطاء أو سوء التقدير في أزمات حساسة.
شرخ في منظومة عدم الانتشار النووي
انتهاء معاهدة «نيو ستارت» لا يضر فقط بالعلاقات الثنائية، بل يمكن أن يضعف ثقة الدول غير النووية في نظام عدم الانتشار النووي. هذه الدول كانت تلزم بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية طالما أن الدول النووية تسعى لتقليص ترساناتها. الآن، قد تتسارع بعض الدول في إعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية.
المناورة السياسية بين روسيا وأمريكا
روسيا تقول إنها منفتحة على التسويات السياسية والدبلوماسية بعد انتهاء المعاهدة لكنها تشدد على أنها ليست ملتزمة قانونيًا بأي قيود ما لم يتفق الطرفان على ذلك. وهذا يعكس نقص الثقة المتبادل والتوترات الأوسع في العلاقات بين القوتين.
السيناريوهات المستقبلية الممكنة
السيناريو الأول: تعزيز الرقابة الدولية
قد تتفق قوى عالمية على إطار جديد للحد من الأسلحة النووية يشمل التكنولوجيات الحديثة بما في ذلك الذكاء الاصطناعي وأنظمة التحكّم المتقدمة، لكن هذا يتطلب حوارًا استراتيجيًا طويلًا وثقة متبادلة.
السيناريو الثاني: سباق تسلح متعدد الأطراف
بدون قيود، قد تشهد القوى النووية الكبرى (روسيا، الولايات المتحدة، الصين) زيادة في ترساناتها وتصميمات الأسلحة، ما ينعكس بدوره على دول أخرى في الشرق الأوسط وأسيا.
السيناريو الثالث: ألعاب نفوذ إقليمية مفاقمة
في الشرق الأوسط، قد تستغل بعض القوى الفراغ الدولي للمناورة العسكرية والسياسية، مما يزيد من احتمالات النزاعات الإقليمية أو التدخلات الخارجية.
نقطة تحول جيوسياسية
نهاية معاهدة «نيو ستارت» ليست مجرد انتهاء اتفاق دولي تقليدي، بل هي نقطة تحول جيوسياسية حقيقية:
- تفتح الباب أمام سباق تسلح نووي جديد.
- تُضعف آليات الثقة والشفافية بين القوى النووية الكبرى.
- تُعقد الجهود الدولية لضبط تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري.
- تزيد المخاطر في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، التي قد تواجه تأثيرات غير مباشرة على أمنها واستقرارها.
هذا الوضع يفرض على دول المنطقة — ومن بينها دول عربية وإقليمية — إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية والسياسية في ضوء بيئة دولية أكثر تقلبًا وخطورة، تتطلب جهدًا دبلوماسيًا أوسع وحوارًا متعدد الأطراف نحو تقييد سباق التسلح النووي والتكنولوجي الدولي.
