اليمن بعد عقد من الحرب.. إعادة تشكيل الدولة والوعي

إن اخطر ما في الحروب الممتدة أنها لا تكتفي بإطالة امد المعاناة، بل تدفع الأجيال الى التعايش مع الواقع المفروض حتى يبدو طبيعياً ومألوفاً. وحين ينشأ الأطفال والشباب في بيئة تقدم فيها الطاعة بوصفها فضيلة، والتمييز باعتباره حقاً تاريخياً، فإن ذلك يؤسس لتحول ثقافي واجتماعي عميق قد يمتد اثره لعقود ويصعب تفكيكه لاحقاً. ولهذا لم تعد القضية مرتبطة بإنهاء الحرب عسكرياً فحسب، بل بمستقبل الدولة اليمنية وهويتها السياسية والاجتماعية.

بعد عقد كامل من الحرب بين الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي الانقلابية، ومع تعقد الصراع وتشابك مساراته، لم تعد الأزمة مجرد مواجهة عسكرية او صراع على النفوذ، بل تحولت الى واقع مركب يعيد تشكيل المجتمع والدولة والوعي العام بصورة تدريجية وعميقة. فالحروب الطويلة لا تستنزف الاقتصاد وتدمر البنية التحتية فحسب، بل تعيد انتاج البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية بما يخدم القوى المسيطرة ويضمن استمرار نفوذها.

ولعل من اخطر نتائج هذه الحرب أن جيلاً كاملاً من الأطفال الذين التحقوا بالمدارس مع بداياتها اصبحوا اليوم شباباً لم يعرفوا من الدولة سوى واقع الانقسام والصراع والمعاناة، ولم يعايشوا الجمهورية الا بوصفها فكرة تروى لهم اكثر مما تمارس في حياتهم اليومية.
وفي مثل هذه الظروف لا تتشكل المواقف السياسية فقط، بل تتشكل أيضاً نظرة الافراد الى الدولة والمجتمع والسلطة والحقوق.

في الواقع، لا تبدو الجماعة سلطة مؤقتة تنتظر تسوية سياسية، بقدر ما تبدو مشروعاً يعمل على ترسيخ رؤية طويلة الأمد تبدأ من التعليم والخطاب الديني والاعلام، وتمتد الى اعادة تشكيل الهوية الاجتماعية والثقافية. فالمناهج التعليمية والخطاب التعبوي والرسائل الإعلامية ليست مجرد ادوات ادارة يومية، بل وسائل فاعلة في تشكيل الوعي الجمعي واعادة تعريف مفاهيم الانتماء والشرعية والسلطة لدى الاجيال الجديدة. ولهذا عادت الى الواجهة بقوة مفاهيم الألقاب والتراتبية الاجتماعية والتمييز المرتبط بفكرة الحق الإلهي وامتياز النسب، وهي مفاهيم تتعارض في جوهرها مع فكرة الجمهورية القائمة على المواطنة المتساوية وتكافؤ الحقوق والواجبات.

وهنا لا يعود الامر مقتصراً على كيفية وقف القتال، بل يمتد الى طبيعة الكيان الذي يتشكل في ظل هذه التحولات. فهل يمكن ترميم الجمهورية داخل مجتمع اعيد فيه انتاج مفاهيم الاصطفاء والتمييز؟ وهل يمكن بناء سلام مستدام مع جماعة تنظر الى السلطة باعتبارها حقاً وامتيازاً لا عقداً سياسياً قائماً على الشراكة الوطنية؟

إن السلام الحقيقي لا يقوم على وقف اطلاق النار فحسب، بل على قناعة مشتركة بالدولة الوطنية والمواطنة المتساوية والتعددية السياسية. اما المفاوضات التي تتحول الى مجرد هدنة لإعادة ترتيب النفوذ وتقاسم موازين القوة، فإنها لا تنهي الحرب بقدر ما تؤجلها وتعيد انتاج اسبابها بأشكال جديدة. 

ويزداد الأمر تعقيداً عندما تطول الهدنة في ظل حالة من التشتت والاختلال داخل معسكر الشرعية، حيث تطغى حسابات التوازنات السياسية على متطلبات بناء الدولة، وتتراجع قدرة المؤسسات على توحيد القرار وحشد الموارد وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، بما ينعكس مباشرة على حياة الناس ويضعف فاعلية الدولة. ولذلك فإن استمرار هذا الوضع يحد من قدرة الشرعية على تقديم نموذج سياسي واداري ناجح في المناطق المحررة، ويقوض فرص استعادة ثقة المواطنين بها بوصفها مشروعاً وطنياً لاستعادة الدولة وبناء المستقبل.

ورغم ذلك، يظل انهاء الحرب ضرورة انسانية ووطنية لا تحتمل التأجيل. فقد انهكت سنوات الصراع اليمنيين، وعمقت الفقر والانقسام، واضعفت مؤسسات الدولة والمجتمع. غير أن اي عودة الى طاولة المفاوضات تحتاج الى مقاربة مختلفة لا تكتفي بتقاسم السلطة او إدارة التوازنات، بل تتعامل مع الجذور الفكرية والسياسية للأزمة باعتبارها جزءاً اساسياً من المشكلة.

ولا شك أن تعقيدات المشهد اليمني لم تعد داخلية فقط، بل باتت مرتبطة بتشابكات اقليمية ودولية جعلت الحرب جزءاً من صراع نفوذ اوسع يتجاوز الحدود اليمنية. ولذلك فإن اي تسوية تتجاهل طبيعة المشروع الحوثي وابعاده الفكرية والسياسية ستظل تسوية هشة وقابلة للانفجار في اي لحظة، لأن جوهر المشكلة لا يكمن في السلاح وحده، بل في الفكرة التي تمنحه الشرعية وتحدد وجهة استخدامه.

إن اشد ما قد تخسره اليمن ليس الدولة او الاقتصاد فحسب، بل الانسان نفسه؛ حين يعتاد الخوف، ويتصالح مع التمييز، ويغدو الحلم بالجمهورية مجرد ذكرى تتآكل مع الزمن. ومن هنا تقف البلاد امام خيارين: اما سلام يعيد بناء الدولة والهوية الوطنية الجامعة على اسس المواطنة والشراكة، واما هدنة طويلة تعمق الانقسام وتمنح المشاريع المغلقة مزيداً من الوقت لاعادة تشكيل المجتمع والدولة وفق رؤيتها الخاصة.