الشعب يريد الحياة

قديمًا هتفنا جميعًا: (الشعب يريد إسقاط النظام)، ظنًّا منا أنه بسقوط النظام سيستقيم عود الوطن وتصلح أحواله، ويخرج من دائرة الجوع والفقر والظلم والاستبداد التي أوهمنا بها قادة الخراب العربي.

سقط النظام، وسقطت معه الدولة، وتبددت معالمها، وأصبحت في خبر كان، وأتى الخراب وربيعه على كل شيء، فلم يُبقِ ولم يذر، فجرف في طريقه كل شيء، حتى بات هذا البلد أطلالًا نبكيها وذكرياتٍ نندبها.

ذلك النظام الذي ظلمناه نحن قبل أن يظلمنا، ذهب وذهب معه كل شيء، فلا دولة بقيت، ولا سيادة حُفظت، ولا جغرافيا تماسكت، والأدهى والأمرّ أن الشعب يموت جوعًا ويحتضر على قارعة الانتظار في طريق الحكومات المتعاقبة.

اليوم نردد جميعًا، وبصمت قاتل: (الشعب يريد الحياة)، فالموت الذي يجوس في أزقة المدن والمحافظات، وتُسمع أنفاسه، بات يخطف الأرواح الواحدة تلو الأخرى في مشهد مؤلم وصمت مريب من قبل تلك العاهات التي تدّعي المسؤولية، وهي أبعد ما يكون عنها.

لم يعد لجغرافيا البلد قيمة وأهمية في نظر تلك العيون الشاخصة، والأحشاء التي تصرخ جوعًا وتتألم وجعًا، بعد أن أُهدرت كرامة الإنسان، وسُكب ماء وجهه، وهو يفتش بين النفايات عن (كسرة) خبز متعفنة، وبقايا ما أكلته النطيحة والمتردية من وزراء ومسؤولين وأصحاب المعالي.
وكيف لشيخ هَرِم، وشاب متعفف، وأب مكلوم، وأم ثكلى، يجوبون الشوارع ويحملون هموم الحياة، وهم يبحثون عن (قنينات) الماء الفارغة بثمن بخس، أن يرجوا وطنًا من أعجاز نخل خاوية رهنت نفسها للخارج وأصبحت بلا كرامة أو قيمة؟

المشهد الموجع والمتكرر الذي يذبحني من الوريد إلى الوريد، أن البسطاء يموتون جوعًا، بينما الهلاميون يتقيؤون تخمةً وشبعًا، دون أن يشعر أحدهم بما يعانيه هؤلاء البسطاء، متناسين تمامًا أنه عند الله تجتمع الخصوم.

يردد هؤلاء البسطاء في دواخلهم، بل وعلانية: ليتنا لم نصرخ يومًا: (الشعب يريد إسقاط النظام)، فكل من أتى بعد النظام حرمهم من أقل القليل من حقوقهم، فلا رواتب منتظمة، ولا اقتصاد متماسك، ولا عملة مهيبة، ولا جغرافيا موحدة، كل شيء أصبح في مهب المزاج والكيف والعبثية المفرطة في حقوق الشعب.

أيها العابرون، أعيدوا للشعب كرامته وقيمته وهيبته، واحفظوا له ماء وجهه، فالمناصب إلى زوال، والأوطان تبقى مهما تكالبت عليها صروف الزمان.

رُفعت الجلسة..

#فهد_البرشاء
23 يونيو 2026م