قائد راشد... مهندس الأثر وذاكرة عدن النقيّة

قائد راشد... مهندس الأثر وذاكرة عدن النقيّة

كتب/ زياد بن محمد الوادي

على مدى أربعة وعشرين عاماً، وقف المهندس قائد راشد أنعم في قلب واحدة من أكثر المهام تعقيداً وحساسية في مدينة عدن، إدارة صندوق النظافة وتحسين المدينة. لم يكن مديرًا تقليديًا يكتفي بجرّة قلم خلف مكتبه، بل كان عينًا ساهرة وسندًا حقيقيًا لأكثر من أربعة آلاف عامل وعاملة، يعرف وجوههم، ويتذكر أسماءهم، ويضع يده على كتف متعبهم ليخفف عنه عناء الأيام.

كان يبدأ صباحه مع أول خيط للفجر، متنقلًا بين المديريات ليتابع ويطمئن، مرسخًا مفهوم القيادة كمسؤولية وأمانة لا كسلطة وفوقية. ووسط توازنات شديدة الحساسية، نجح في إدارة الصندوق بصبر طويل، مبرهنًا على أن الإدارة ليست أوراقًا تُوقّع، بل أرواح تُصان، ومدينة تُحمل على كف الوفاء؛ ولهذا أحبته عدن بكل أطيافها، فكان حضوره يفرض الاحترام، ونزاهته تبدد الأقاويل والهرطقات العابرة.

ها قد مضت سنوات العمر سريعاً أيها القائد، أربعة وعشرين عامًا في رحاب الصندوق، سبقتها أكثر من اثنتي عشرة سنة في البلديات، قدمتَ خلالها عصارة جهدك وصدق عطائك. لم تكن مجرد مسؤول، بل كنت الأب الحاني، والأخ الصادق، والصديق الوفي الذي غرس في القلوب محبةً لا تزول. وما تلك الدموع التي ذُرفت ساعة مغادرتك إلا شهادةً صادقة على أثرٍ عميق تركته في النفوس، وقصة وفاءٍ سطرها موظفوك وعمالك إجلالًا لأخلاقك العالية، فجزاك الله عنّا خير الجزاء.

واليوم، يغادر الرجل موقعه بهدوء يليق بتجربته، مخلفًا وراءه إرثًا إداريًا وإنسانيًا يصعب تجاوزه، فالغياب ليس حدثًا عابرًا يُختصر في قرار؛ فقد ترك في الصندوق ذاكرة نقيّة، وفي شوارع المدينة بصمة لا تُمحى. وندرك جميعًا أن المدن لا تُبنى بالأوامر، بل بالرجال الذين يعملون بصمت ويتركون أثرًا لا يحتاج إلى إعلان، لتستمر مسيرة الصندوق بروح جديدة، وعزيمة مستمدة من العطاء الذي أسسه.

ومن هنا، فإن الوفاء لهذه المسيرة الممتدة يتطلع إلى لفتة كريمة من معالي وزير الدولة محافظ العاصمة عدن، والمدير العام الجديد للصندوق الأستاذ سالمين علوي علي، لتكريم هذا القائد الإداري وسط عماله وموظفيه، تكريمًا رسميًا وشعبيًا يليق بربع قرن من البذل، ويكون جسرًا لتعزيز قيم العرفان داخل هذه المؤسسة المعطاءة.