بناء الدولة يبدأ من المؤسسة
كتب : د/ علي ناصر سليمان الزامكي
"سلسلة مقالات في القدرات المؤسسية والإصلاح الإداري والتنمية المستدامة"
كتب : د/ علي ناصر سليمان الزامكي
استاذ الادارة المالية المشارك
مساعد نائب رئيس جامعة عدن لشؤون الطلاب
ليست هذه السلسلة محاولة لتقديم وصف جديد لمشكلات الدولة ولا قراءة أخرى لإخفاقات الماضي بل هي دعوة للتفكير في سؤال أكثر أهمية - كيف نبني مؤسسات تمتلك القدرة على تحويل الطموحات إلى إنجازات؟
لقد انطلقت فكرة هذه السلسلة من قناعة تشكلت عبر سنوات من العمل الأكاديمي والبحث العلمي والاحتكاك بقضايا الإدارة والتنمية ومفادها أن الدول لا تنهض بوفرة الموارد وحدها ولا بكثرة الخطط أو حجم التمويل وإنما بامتلاكها مؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ والتعلم والتطوير وتحويل الإمكانات إلى قيمة عامة يشعر بها المواطن.
وفي عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتقنية والمؤسسية أصبحت القدرات المؤسسية تمثل أحد أهم عناصر قوة الدول وأحد المعايير الرئيسة التي تفسر نجاح بعضها في تحقيق التنمية واستدامتها وتعثر البعض الآخر رغم تشابه الإمكانات والفرص.
ولذلك فإن هذه المقالات لا تبحث عن إلقاء اللوم ولا عن اجترار المشكلات بل نسعى إلى بناء ثقافة مؤسسية جديدة يكون عنوانها - كيف نجعل مؤسساتنا أكثر قدرة على خدمة الإنسان وأكثر كفاءة في إدارة الموارد وأكثر استعدادًا لمواجهة المستقبل؟
ولعل الرسالة التي تختصر هذه السلسلة بأكملها هي أن بناء الدولة لا يبدأ من المشروعات ولا من اللوائح ولا من الشعارات وإنما يبدأ من بناء المؤسسة لأنها الإطار الذي تتحول من خلاله الرؤى إلى سياسات والسياسات إلى برامج والبرامج إلى نتائج والنتائج إلى قيمة عامة تعزز ثقة المواطن بالدولة.
( إنها دعوة إلى التفكير ثم إلى الحوار ثم إلى العمل ) .
المقال الأول ( 1- 10) / القدرات المؤسسية… رأس المال غير المرئي للدولة
«قد تمتلك الدولة الموارد، وقد تمتلك الرؤية، لكن الفارق الحقيقي تصنعه المؤسسة القادرة على تحويل الموارد والرؤية إلى أثر يلمسه المواطن.»
عندما تتعثر خدمة عامة أو يتأخر تنفيذ مشروع أو تبقى خطة حكومية حبيسة الأدراج يكون التفسير الأكثر شيوعًا هو نقص الموارد أو محدودية التمويل أو تعقيد الظروف وقد تبدو هذه التفسيرات منطقية لكنها لا تجيب عن سؤال ظل يتكرر في تجارب التنمية حول العالم - لماذا تنجح بعض الدول في تحقيق نتائج ملموسة بإمكانات محدودة بينما تعجز دول أخرى عن تحقيق النتائج نفسها رغم امتلاكها موارد وفرصًا متقاربة؟
إن الإجابة لا تكمن دائمًا في حجم الموارد بل في قدرة المؤسسات على إدارتها ، فالفرص لا تتحول إلى إنجازات تلقائيًا والموارد لا تنتج التنمية بمجرد توافرها والسياسات لا تغير الواقع بمجرد إقرارها وما يصنع الفرق بين النجاح والتعثر هو المؤسسة لأنها الحلقة التي تربط بين الفكرة والتطبيق وبين التخطيط والتنفيذ وبين الطموح والنتيجة.
ومن هنا تبرز أهمية القدرات المؤسسية بوصفها أحد أكثر المفاهيم تأثيرًا في الإدارة العامة الحديثة فهي تمثل مجموع القدرات التنظيمية والبشرية والإدارية والتقنية والمعرفية التي تمكّن المؤسسة من أداء وظائفها بكفاءة وتحقيق أهدافها بفاعلية والتكيف مع المتغيرات والتعلم من الخبرات والتحسين المستمر.
وقد يبدو هذا المفهوم للوهلة الأولى شأنًا يخص المتخصصين في الإدارة لكنه في الحقيقة يمس حياة كل فرد في المجتمع فحين تعمل المؤسسة بكفاءة لا يظهر أثر ذلك في التقارير الرسمية فحسب بل ينعكس في مدرسة تقدم تعليمًا أفضل ومستشفى يقدم خدمة أكثر جودة وطريق يُنجز في موعده واستثمار يجد بيئة مستقرة وخدمة حكومية يحصل عليها المواطن بسرعة وعدالة وكرامة.
إن جوهر القدرات المؤسسية ليس تحسين الإدارة لذاتها وإنما تحسين حياة الإنسان من خلال إدارة أكثر كفاءة للموارد العامة ولذلك فإن الاستثمار في المؤسسة هو في جوهره استثمار في جودة حياة المواطنين وفي مستقبل الدولة.
ولهذا يمكن وصف القدرات المؤسسية بأنها رأس المال غير المرئي للدولة فهي لا تظهر في الموازنات العامة ولا تُقاس بعدد المباني أو الموظفين لكنها تتجسد في جودة القرارات وكفاءة التنفيذ وسرعة الاستجابة والقدرة على التنسيق وإدارة الموارد والتعلم المستمر وتحويل التحديات إلى فرص للتحسين.
ومن أكثر الأخطاء شيوعًا اختزال المؤسسة في هيكل تنظيمي أو مجموعة من اللوائح والإجراءات فالمؤسسة في حقيقتها منظومة متكاملة تقوم على قيادة تمتلك رؤية وكفاءات بشرية مؤهلة وأنظمة عمل فعالة وآليات واضحة للمساءلة وثقافة تنظيمية تؤمن بالتطوير المستمر وعندما تنضج هذه العناصر وتتكامل تتحول المؤسسة إلى قوة حقيقية قادرة على صناعة التنمية حتى في البيئات التي تواجه تحديات كبيرة.
ومن هنا ينبغي التمييز بين امتلاك الموارد وامتلاك القدرة على إدارتها فقد تتوافر الموارد وتتعدد المبادرات ويزداد الدعم ومع ذلك تبقى النتائج دون المستوى المأمول لأن المؤسسة لم تمتلك بعد القدرة الكافية على تحويل تلك الإمكانات إلى أثر مستدام.
وهنا تبرز قضية تُعد من أهم قضايا الإدارة العامة المعاصرة وهي فجوة التنفيذ أي الفجوة بين ما يُخطط له وما يتحقق على أرض الواقع فكثير من الخطط تتعثر ليس بسبب ضعف الأفكار وإنما بسبب ضعف المؤسسات التي تتولى تنفيذها ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي خطة تنموية ليس - ماذا نريد أن نحقق؟ بل - هل تمتلك مؤسساتنا القدرة على تحقيقه؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد في كثير من الأحيان مصير الخطط والمشروعات والسياسات العامة فالمؤسسة القادرة لا تُقاس بما تكتبه من خطط وإنما بما تنجزه من نتائج والنجاح الحقيقي لأي مؤسسة لا يبدأ عند اعتماد الإستراتيجية بل عند قدرتها على تحويل تلك الإستراتيجية إلى واقع ينعكس على حياة الناس.
ولهذا تؤكد الخبرات الدولية أن التنمية المستدامة لا تُبنى على التمويل وحده ولا على جودة السياسات وحدها وإنما على وجود مؤسسات تمتلك القدرة على تحويل التمويل إلى مشروعات منتجة والسياسات إلى خدمات فعالة والرؤى إلى نتائج قابلة للقياس فالمال قد يفتح باب الفرصة لكن المؤسسة وحدها هي التي تستطيع أن تعبر من هذا الباب نحو التنمية.
ومن هنا فإن بناء القدرات المؤسسية يجب أن يُنظر إليه بوصفه استثمارًا طويل الأجل في مستقبل الدولة لا بوصفه برنامجًا تدريبيًا مؤقتًا أو نشاطًا إداريًا محدودًا فالتدريب مهم لكنه لا يكفي والتقنيات الحديثة ضرورية لكنها لا تعوض ضعف القيادة أو غياب الأنظمة الفاعلة كما أن اللوائح مهما بلغت جودتها لن تحقق أثرها إذا لم تتحول إلى ممارسة يومية وثقافة عمل راسخة.
إن المؤسسة القادرة هي التي تتعلم وتراجع أداءها قبل أن تراجع أداء الآخرين وتعتبر الخطأ فرصة للتحسين لا سببًا للتوقف وهي المؤسسة التي تقيس نتائجها وتستمع إلى المستفيدين من خدماتها وتبني قراراتها على المعلومات وتؤمن بأن التطويرعملية مستمرة لا تنتهي.
وعندما تصبح هذه الثقافة جزءًا من العمل المؤسسي تتحول الكفاءة من مهارة فردية إلى قدرة تنظيمية وتصبح المؤسسة أكثر استقرارًا وقدرة على الاستمرار حتى مع تغير القيادات أو الظروف.
وهنا تبرز أهمية بناء القدرات المؤسسية في الدول التي تواجه تحديات معقدة أو تمر بمراحل انتقالية فكلما ازدادت التحديات ازدادت الحاجة إلى مؤسسات قادرة على إدارة الموارد المحدودة وترتيب الأولويات والتنسيق بين الجهات والاستجابة السريعة للمتغيرات إن قوة الدولة في مثل هذه المراحل لا تُقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات بل بقدرة مؤسساتها على حسن إدارة تلك الإمكانات.
واليمن ليس استثناءً من هذه القاعدة فبلدنا يمتلك من المقومات البشرية والموقع الجغرافي والفرص الاقتصادية ما يؤهله لتحقيق تقدم حقيقي إذا توافرت المؤسسات القادرة على استثمار هذه المقومات كما يحظى باهتمام الأشقاء وشركاء التنمية وهو ما يمثل فرصة مهمة لدعم مسار التعافي والتنمية غير أن تحويل هذه الفرص إلى نتائج ملموسة يتطلب قبل كل شيء مؤسسات تمتلك الجاهزية والكفاءة والقدرة على التخطيط والتنفيذ والمتابعة والتقييم.
ومن المهم التأكيد هنا على أن الحديث عن بناء القدرات المؤسسية لا يعني التقليل من أهمية الموارد أو التمويل أو الإصلاحات التشريعية وإنما يعني وضع كل عنصر في مكانه الصحيح فالموارد تظل ضرورية والتشريعات تظل مهمة لكن المؤسسة هي التي تمنح هذه العناصر قيمتها العملية وهي التي تحدد ما إذا كانت ستتحول إلى إنجازات حقيقية أم ستظل مجرد إمكانات غير مستثمرة.
ولهذا فإن القضية الجوهرية ليست - كم نملك من الموارد؟ وإنما - كيف ندير ما نملكه؟ وكيف نبني مؤسسات تستطيع أن تحقق أفضل عائد ممكن من كل مورد وكل فرصة وكل فكرة؟
إن هذا التحول في طريقة التفكير يمثل في تقديري نقطة البداية لأي مشروع إصلاحي جاد فالدول لا تحقق التقدم لأنها تملك كل شيء وإنما لأنها تعرف كيف تدير ما تملك بكفاءة وتبني مؤسسات تتعلم وتتطور وتستجيب للتغيير.
ولذلك فإن بناء القدرات المؤسسية ليس خيارًا إداريًا بل خيارًا وطنيًا وهو ليس مسؤولية جهة واحدة بل مسؤولية تتشارك فيها مؤسسات الدولة والجامعات والقطاع الخاص ومراكز البحوث ومنظمات المجتمع المدني وشركاء التنمية فكل طرف يمتلك دورًا في بناء مؤسسة أكثر قدرة وكل مؤسسة أكثر قدرة تعني دولة أكثر قدرة.
وعندما نتأمل تجارب الدول التي نجحت في تحقيق تحولات تنموية عميقة نجد أنها لم تبدأ جميعها من مستوى واحد من الموارد أو الإمكانات لكنها اشتركت في حقيقة واحدة أنها جعلت بناء المؤسسات أولوية وطنية فقد أدركت أن الموارد قد تستنفد والسياسات قد تتغير والقيادات قد تتبدل أما المؤسسة القادرة فهي التي تضمن استمرارية الدولة وتحافظ على جودة الأداء وتراكم الخبرة وتُحسن إدارة التغيير.
ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي ليس في المشروعات وحدها بل في المؤسسة التي ستدير هذه المشروعات وتحافظ على استدامتها وتطور أداءها عامًا بعد عام فبناء مشروع قد يستغرق أشهرًا أما بناء مؤسسة قادرة فقد يحتاج سنوات لكنه يبقى الاستثمار الأكثر أثرًا والأطول عمرًا.
ومن هنا تنطلق هذه السلسلة فهي لا تقدم حلولًا سريعة ولا تدّعي امتلاك وصفات جاهزة وإنما تدعو إلى إعادة ترتيب الأولويات فإذا أردنا إصلاح الإدارة العامة وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع وتحقيق تنمية مستدامة فإن نقطة البداية ينبغي أن تكون بناء القدرات المؤسسية.
وخلال المقالات القادمة سنناقش ، خطوةً خطوة كيف يمكن للمؤسسات أن تصبح أكثر جاهزية وكيف تسهم الحوكمة في تحسين الأداء ولماذا تمثل القيادة المؤسسية حجر الزاوية في الإصلاح وكيف يمكن للتحول الرقمي أن يعزز الكفاءة ولماذا لا تكفي المساعدات والموارد وحدها لتحقيق التنمية إذا لم تجد مؤسسة تمتلك القدرة على إدارتها.
إن هذه الموضوعات على تنوعها يجمعها منهج واحد هو الإيمان بأن التنمية ليست حدثًا عابرًا بل عملية مؤسسية مستمرة وأن الدولة القادرة لا تُبنى بقرار واحد وإنما بتراكم الإنجازات التي تحققها مؤسسات تمتلك الرؤية والكفاءة والانضباط والقدرة على التعلم والتطور.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا في أذهاننا بعد هذا المقال ليس - كم نملك من الموارد؟ ولا - كم لدينا من الخطط؟ بل سؤال أكثر عمقًا وتأثيرًا - هل تمتلك مؤسساتنا القدرة على تحويل ما نملكه إلى قيمة عامة يشعر بها المواطن؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مسؤولية الحكومة وحدها ولا مسؤولية مؤسسة بعينها بل هي مسؤولية وطنية مشتركة لأن بناء الدولة يبدأ من بناء مؤسساتها وبناء المؤسسات يبدأ من الإيمان بأن الكفاءة ليست خيارًا بل ضرورة وأن التطوير ليس مشروعًا مؤقتًا بل ثقافة عمل وأن الاستثمار في الإنسان والمؤسسة هو الاستثمار الأكثر ربحًا للدولة والمجتمع.
إن الطريق إلى المستقبل لا يبدأ من كثرة الموارد بل من حسن إدارتها ولا يبدأ من كثرة المبادرات بل من قدرة المؤسسات على تنفيذها ولا يبدأ من حجم الطموحات بل من جاهزية المؤسسات لتحويل تلك الطموحات إلى واقع.
وهذه هي الرسالة التي تحملها هذه السلسلة والتي نأمل أن تسهم في إثراء حوار وطني مجتمعي حول بناء الدولة وأن تفتح بابًا للتفكير في الإصلاح من زاوية ربما لم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه؛ زاوية القدرات المؤسسية.
( فحين تُبنى المؤسسة، تُبنى الدولة ) .
رسالة المقال / إن بناء القدرات المؤسسية ليس مشروعًا إداريًا يضاف إلى قائمة المشروعات بل هو الإطار الذي يمنح جميع المشروعات الأخرى فرصة النجاح والاستدامة.
وإذا أردنا الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل فإن الأولوية ينبغي أن تكون لبناء مؤسسات تمتلك القدرة على التخطيط والتنفيذ والتقييم والتطوير المستمر.
ولذلك يمكن البدء بثلاث خطوات عملية :-
اعتبار بناء القدرات المؤسسية أولوية وطنية تُدمج في خطط الإصلاح الإداري والتنمية بوصفها استثمارًا في قدرة الدولة على الإنجاز.
إطلاق تقييم دوري للجاهزية المؤسسية في الجهات الحكومية يعتمد على مؤشرات واضحة لقياس القيادة، والحوكمة، والموارد البشرية، والعمليات، وإدارة الأداء، والتحول الرقمي، ويُربط بخطط تحسين واقعية.
ترسيخ ثقافة الأداء والتعلم والتحسين المستمر بحيث تصبح جودة الخدمة العامة ورضا المستفيد وقياس الأثر مؤشرات رئيسة لنجاح المؤسسات لا مجرد الالتزام بالإجراءات.
الفكرة الرئيسة للمقال / القدرات المؤسسية هي رأس المال غير المرئي الذي يحول الموارد والسياسات إلى قيمة عامة ويجعل التنمية ممكنة ومستدامة.
التحدي الذي أمامنا / انه يجري اليوم التركيز على توفير الموارد وإعداد الخطط، مع إيلاء اهتمام أقل ببناء قدرة المؤسسات على التنفيذ والمتابعة والتطوير وهذا هو التحدي بذاته.
الإجراء المقترح / تبني برنامج وطني لبناء القدرات المؤسسية، يبدأ بتقييم الجاهزية المؤسسية ويقود إلى خطط تطوير متدرجة ومؤشرات أداء قابلة للقياس ومراجعة دورية لنتائج الإصلاح.
الأثر المتوقع / مؤسسات أكثر كفاءة ومرونة، وخدمات عامة أفضل، وثقة أكبر بين الدولة والمجتمع وقدرة أعلى على تحويل الموارد والفرص إلى نتائج تنعكس على حياة المواطنين.
“مشروع فكري يسعى إلى ترسيخ ثقافة بناء الدولة من خلال بناء المؤسسات.”



