الشرعية اليمنية امام اختبار استعادة زمام المبادرة

في السياسة، لا تكفي الشرعية الدستورية وحدها لضمان البقاء، بل تحتاج الى شرعية الإنجاز، والقدرة على المبادرة، وكسب ثقة المواطنين واقناعهم بأن الدولة ما زالت قادرة على حماية مصالحهم وصياغة مستقبلهم. وبعد اكثر من عقد من الصراع في اليمن، لم يعد السؤال: من يمثل الدولة؟ بل: من يستطيع أن يقود مشروع استعادتها؟

لقد حافظت الشرعية على اعترافها الإقليمي والدولي، وهو رصيد سياسي مهم، لكنها في المقابل لم تنجح بالقدر الكافي في تحويل هذا الاعتراف الى نموذج حكم فاعل داخل المناطق المحررة. وبينما تمكن الحوثيون من فرض وقائع جديدة بقوة السلاح، بدت مؤسسات الشرعية في كثير من الاحيان منشغلة بإدارة الخلافات اكثر من انشغالها بإدارة الدولة، وهو ما انعكس في تباطؤ الاصلاحات الاقتصادية والادارية، واستمرار تراجع الخدمات الاساسية وتدهور العملة الوطنية.

ولعل اخطر ما يواجه الشرعية اليوم ليس قوة خصومها، وإنما تراجع قدرتها على الإمساك بزمام المبادرة. فحين تغيب الرؤية الموحدة، وتتعدد مراكز القرار، وتتأخر الإصلاحات، يصبح الفراغ السياسي بيئة خصبة لتعاظم الأزمات والفساد وفقدان ثقة المواطنين.

اليوم، لم تعد معركة الشرعية تقتصر على استعادة الأرض، بل باتت تشمل استعادة ثقة المواطن، باعتبارها الركيزة الأساسية لتماسك الجبهة الداخلية وحشد الطاقات الوطنية. فالدولة تقاس بما تقدمه لمواطنيها، لا بعدد بيانات التأييد او الاعترافات الدولية. والمواطن الذي يواجه تراجع الخدمات، وانهيار العملة، وتعثر المؤسسات، وتعدد مراكز القرار داخل الشرعية، ينتظر حلولًا ملموسة اكثر من انتظاره للخطابات والتبريرات.

اما استعادة المبادرة، فلا تبدأ بالخطابات والتنافس على الظهور الإعلامي، وإنما بإصلاح مؤسسات الدولة، وترسيخ مبدأ الكفاءة، ومحاربة الفساد، وإنهاء الترهل الاداري، واعادة الاعتبار للقانون. كما تتطلب اطلاق برنامج اصلاحي واضح بجدول زمني محدد، يعزز الشفافية والمساءلة، ويعيد بناء ثقة المواطن بالدولة. وبالتوازي مع ذلك، يصبح توحيد القوى الوطنية حول مشروع جامع يتجاوز الحسابات الحزبية والمناطقية ضرورة وطنية، لأن استمرار الانقسام لم يعد يستنزف الشرعية وحدها، بل يستنزف فكرة الدولة نفسها.

فضلاً عن ذلك، تفرض المتغيرات الإقليمية والدولية على الشرعية اعادة صياغة خطابها السياسي. فالمنطقة تشهد اعادة ترتيب للأولويات، واليمن لم يعد مجرد ساحة صراع داخلية، بل اصبح جزءاً من معادلات أمن البحر الاحمر وباب المندب وأمن الطاقة. وهذه المتغيرات تمنح الشرعية فرصة لاستعادة دورها، شريطة امتلاك رؤية واضحة، وموقف موحد، وقدرة على التحرك السياسي والدبلوماسي الفاعل.

ومن الأهمية بمكان أن يكون أول اختبار حقيقي للشرعية هو الانتقال من إدارة الأزمة الى صناعة الحلول، ومن انتظار المبادرات الخارجية الى إطلاق مبادرات وطنية تعيد ترتيب البيت الداخلي، وتؤسس لشراكة سياسية حقيقية بين مختلف القوى المناهضة للحوثيين، على قاعدة الحفاظ على الدولة واحترام التنوع السياسي.

إن اليمن لا يحتاج اليوم إلى شرعية تدير الواقع كما هو، بل الى شرعية تقود التغيير، وتستثمر ما تمتلكه من دعم ⁷إقليمي ودولي لبناء مؤسسات قوية، واقتصاد اكثر تماسكاً، وإدارة اكثر كفاءة. فالدول لا تنهض بالرهان على الوقت، وإنما بامتلاك القرار والإرادة.

وهنا تقع على الشرعية مسؤولية وطنية وأخلاقية في مواجهة ذاتها، والاجابة عن السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تمتلك اليوم الشجاعة الكافية لمراجعة تجربتها، واطلاق مسار إصلاحي حقيقي يعيد اليها زمام المبادرة؟ لأن مستقبل اليمن لن تحدده شرعية الاعتراف وحدها، بل شرعية الأداء، وقدرة الدولة على أن تكون حاضرة في حياة مواطنيها، لا مجرد عنوان في الخطابات السياسية.