خفايا وأسرار اللعبة!.. لماذا تنقذ عُمان الحوثي في كل لحظة حاسمة؟!

خفايا وأسرار اللعبة!.. لماذا تنقذ عُمان الحوثي في كل لحظة حاسمة؟!

تقرير (الأول) صالح حقروص:

على مدار سنوات الحرب في اليمن، تكرر مشهدٌ بات مألوفاً إلى حد الإثارة: كلما ضاقت الخناق على ميليشيات الحوثي، واقتربت لحظة الحسم العسكري، إذا بسلطنة عُمان تتحرك كطوق نجاة، تارة بوساطة دبلوماسية، وتارة بتسهيل وصول إمدادات إيرانية، وكأنها تعيد تشغيل سيناريو مكتوبٍ بدقة متناهية. السؤال الذي يُلحّ على ذهني: لماذا؟ ولماذا بهذا الإصرار؟
بكل موضوعية، لا يمكن اختزال الدور العماني في "حب السلام" كما يُروّج له. هناك مصالح عميقة، وأجندة جيوسياسية معقدة، أرى أنها تقف خلف كل وساطة، وتحرّك كل مبادرة.

الحوثي ورقة عُمانية لكبح السعودية
منذ عقود، تبنّت عُمان سياسة "الحياد الإيجابي"، لكن الحياد في المنطقة لا يُقرأ دون حسابات القوة. السبب الأول الذي يقف خلف إنقاذ الحوثي، هو إدراك مسقط أن إيران القوية هي الدرع الذي يحميها من الطموحات السعودية التوسعية. فلم تكن عُمان يوماً مرتاحة للهيمنة السعودية على الخليج، وبقاء طهران كقوة موازنة يمنحها مساحة للمناورة، ويُبقي حدودها الشمالية في حالة توازن دقيق.

أنبوب النفط.. قلب المعركة الخفي
ولكن الدافع الأعمق، يعود إلى صيف 2012، حين كشفت الرياض عن نيتها مد أنبوب نفطي عملاق من حقولها الشرقية عبر الأراضي اليمنية (المهرة) إلى البحر العربي، لتجاوز مضيق هرمز. هنا، أدركت عُمان أن المشروع ليس مجرد خط أنابيب، بل هو تهديد وجودي لنفوذها البحري، ومنافس مباشر لموانئها وممراتها.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الحرب في اليمن مجرد صراع على السلطة، بل تحولت إلى أداة لتعطيل المشروع السعودي. كيف؟ من خلال:
· إطالة أمد القتال، عبر تسهيل وصول السلاح الإيراني للحوثي.
· خلق بؤر توتر في المهرة، عبر أدوات محلية موالية لعُمان، لإجبار السعودية على تحويل مسار الأنبوب بعيداً عن الأراضي اليمنية.
والنتيجة التي تحققت فعلاً: الرياض اضطرت إلى نقل المشروع عبر الأراضي العمانية، ليكون الرابح الأكبر هو مسقط.

حربٌ بلا نهاية لأن مصلحة عُمان في استمرارها
اليوم، بات استمرار انعدام الأمن في حضرموت والمهرة هو الضامن الوحيد لبقاء الأنبوب النفطي في الجيب العماني. فلو تحقق الاستقرار في الجنوب، لعادت السعودية إلى خيارها الأفضل (التمرير عبر اليمن)، وهو ما يعني خسارة عُمان لورقة ضغطها الأغلى.
وهنا تكمن المفارقة: عُمان التي تظهر بمظهر الوسيط المحايد، هي ذاتها الطرف الأكثر استفادة من استمرار الحرب. إنها تريد سلاماً لا يزعزع مصالحها، واستقراراً لا يهدد عقدتها النفطية.
وفي الختام: إن تغافلنا عن قراءة المشهد اليمني بعين الجيوسياسية، وإصرارنا على تبرير الدور العماني بغطاء الحياد والوساطة، هو الخطأ الاستراتيجي الأكبر الذي يرتكبه التحالف العربي. فليست كل وساطة طاهرة، وليس كل حياد بريئاً؛ خلف كل مبادرة عُمانية صفقة خفية، وخلف كل وقفة إنقاذ للحوثي مصلحة بحرية لا تقل عنفاً عن القنابل.
اليوم، باتت دماء اليمنيين عملةً متداولة في سوق المصالح الإقليمية، واستمرار الحرب لم يعد رهناً بمعادلات السياسة بقدر ما أصبح مرهوناً ببقاء الأنبوب النفطي في جيب عُماني، وبقاء المهرة وحضرموت ساحتي توتر مفتوحتين.
آن الأوان للتحالف العربي أن يخلع نظارات البروتوكول، وأن يقرأ لعبة مسقط بعيون مختلفة، قبل أن تتحول اليمن كلها إلى مجرد خريطةٍ تُعاد رسمها على طاولة صفقات لا تعرف لغةً غير لغة الموانئ والأنابيب.
خلاصة إن استمرار الفوضى في الجنوب هو الضامن الوحيد لاستمرار نفوذ عُمان، وهذا يعني أن من يريد سلاماً حقيقياً في اليمن، عليه أولاً أن يفكك هذه المعادلة العمانية التي تتقن إدارة الحرب أكثر من إتقانها صنع السلام.