هل يستطيع المجلس الانتقالي الجنوبي التخلص من إرث المحسوبية وتعيين الأقارب؟
صالح الفضلي
ثمة أسئلة سياسية لا تنتهي بانتهاء الهياكل التي أنتجتها، لأنها تتصل بجوهر التجربة لا بأسماء الأشخاص والهيئات. ومن بين هذه الأسئلة سؤال ظل يلاحق تجربة المجلس الانتقالي الجنوبي طوال سنوات صعوده: هل استطاع أن يجعل الكفاءة معياراً للتعيين، أم أن القرابة والولاء الشخصي والمناطقي حاضرة بشكل بآخر في صناعة القرار وتوزيع المواقع؟
والسؤال اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى؛ ليس لأن المجلس الانتقالي يمر فقط بمرحلة اختبار سياسي وتنظيمي بالغ التعقيد والحساسية في هذه الفترة العصيبة والاستثنائية، وإنما لأن التجربة نفسها انتهت إلى منعطف بالغ القسوة. ففي 9 يناير 2026 أعلن جزء كبير من قياداته حل المجلس وهيئاته وأجهزته ومكاتبه -لاشك بناء على إملاءات خارجية، والتوجه نحو الإعداد لمؤتمر حوار جنوبي شامل. وهكذا لم يعد النقاش متعلقاً بإصلاح هيكل قائم فحسب، بل أصبح متعلقاً بما إذا كانت القوى والشخصيات التي ستشارك في إعادة تشكيل الحامل السياسي للقضية الجنوبية قادرة على استخلاص الدروس من تجربة الانتقالي الماضية، وفي مقدمتها تجربة المؤسسة في مواجهة الشخص، والكفاءة في مواجهة المحسوبية.
فالمحسوبية ليست مجرد خطأ إداري يمكن تجاوزه بتغيير موظف أو استبدال مسؤول. إنها، حين تتحول إلى ممارسة متكررة، مرض يصيب بنية المؤسسة نفسها. إذ تجعل الولاء الشخصي بديلاً عن الولاء للمشروع، والقرابة بديلاً عن الكفاءة، والعلاقة الخاصة بديلاً عن المعايير التي يفترض أن تحكم المؤسسات السياسية الحديثة.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يوجد قريب لقيادي أو مسؤول هنا أو هناك؟ فوجود الأقارب داخل أي مؤسسة ليس جريمة في ذاته، ما داموا يصلون إلى مواقعهم وفق معايير واضحة ومعلنة. السؤال الأخطر هو: هل يستطيع الشخص أن يصل إلى الموقع نفسه لو لم تكن تربطه صلة قرابة أو ولاء أو نفوذ بأحد أصحاب القرار؟
هذه هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها أي نقاش جاد حول المحسوبية.
من أزمة الانتقالي إلى أزمة الثقافة السياسية
لقد أظهرت تجربة المجلس الانتقالي أن المشكلة لا يمكن اختزالها في شخص أو عائلة أو منطقة. فالمجلس نشأ في بيئة سياسية واجتماعية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الاعتبارات المناطقية والقبلية والعسكرية والشخصية مع القضية الجنوبية نفسها.
وكان من الطبيعي، في بدايات أي حركة سياسية تنشأ في ظروف الحرب، أن تتقدم اعتبارات الثقة والولاء والخبرة الميدانية على معايير العمل المؤسسي الصارمة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الإجراءات الاستثنائية إلى قاعدة دائمة، وحين تصبح شبكة العلاقات الشخصية أكثر تأثيراً من المؤسسات.
وقد ظهرت، خلال السنوات الماضية، انتقادات من داخل البيئة السياسية المحسوبة على الانتقالي نفسه لطريقة تشكيل بعض هيئاته.
الإصلاح الذي لم يكتمل
المفارقة أن قيادة المجلس كانت تدرك، على ما يبدو، الحاجة إلى إعادة ترتيب بنيته الداخلية. ففي يوليو 2025 صدرت قرارات واسعة لإعادة هيكلة الأمانة العامة ودمج عدد من الهيئات والدوائر، وشملت تعيين أمين عام جديد ورؤساء لهيئات سياسية وإعلامية واقتصادية واجتماعية وقانونية وغيرها. وقد قدم المجلس هذه الخطوة باعتبارها جزءاً من تعزيز الأداء المؤسسي وتطوير بنيته التنظيمية.
غير أن إعادة الهيكلة، -التي اثبتت الأحداث أنها لم تكن موفقة- وحدها لا تعني بالضرورة بناء مؤسسة.
فالمؤسسة لا تُقاس بعدد الهيئات التي جرى دمجها، ولا بعدد القرارات التي صدرت لتغيير المسؤولين، وإنما بوجود قواعد ثابتة يعرفها الجميع: كيف يُختار المسؤول؟ من يراقبه؟ ما معايير تقييمه؟ ومتى يُعفى؟ وهل يستطيع عضو عادي أن يعترض على قرار قيادي من دون أن يدفع ثمن اعتراضه؟
ومن هم المستشارين او البطانة التي يعود لها القائد قبل اتخاذ قراراته؟
هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كان الكيان السياسي مؤسسة أم شبكة من مراكز النفوذ.
عندما يصبح الولاء بديلاً عن الكفاءة
في البيئات السياسية الهشة، تكون المحسوبية مغرية للقيادة؛ فهي تمنحها أشخاصاً تثق بهم، وتساعدها على ضمان الولاء، وتقلل مخاطر التمرد الداخلي. وبغض النظر عن مدى صلاحية تلك العناصر للمراكز التي عينوا فيها.
لكن هذا المكسب القصير الأجل قد يتحول إلى خسارة استراتيجية.
فالمسؤول الأول أو الثاني الذي يصل إلى موقعه لأنه قريب من صاحب القرار أو لأنه محسوب على شخصية نافذة، يدرك غالباً أن مصدر قوته الحقيقي ليس المؤسسة وإنما الشخص الذي أوصله إليها. وهكذا تنشأ سلسلة من الولاءات المتبادلة: مسؤول يحمي مسؤولاً، وقيادي يدعم قيادياً، وشبكة من المصالح تتسع تدريجياً حتى يصبح تغييرها أكثر صعوبة من إنشائها.
وفي النهاية تصبح المؤسسة عاجزة عن تجديد نفسها. والأربعاء بعملها.
وهنا تكمن واحدة من أخطر مشكلات المحسوبية: أنها لا تكتفي بإدخال أشخاص غير مؤهلين وذي سمعة سيئة إلى المؤسسة، وتمنع المؤهلين من الدخول إليها.
وحين يشعر الشاب المؤهل والملتزم فعلا لقضية الجنوب أو المهني بأن الوصول إلى الموقع العام لا يتطلب العلم والخبرة والنزاهة، وإنما يحتاج إلى واسطة أو قرابة أو ولاء شخصي، فإنه يفقد إيمانه بالمؤسسة قبل أن يفقد اهتمامه بالعمل السياسي.
ومن المهم، في المقابل، ألا نقع في التفسير السهل الذي يمكن أن يؤثر في الحاضنة الشعبية للمجلس الانتقالي. فالتقارير والتحليلات التي تناولت وضع المجلس قبل أحداث يناير 2026 ، ومن بينها تدهور الخدمات، والأزمة الاقتصادية، وانهيار قيمة العملة، وارتفاع الأسعار، وتحمل المجلس جزءاً من مسؤولية الأداء الحكومي بحكم مشاركته في السلطة. وقد أشارت تقارير في 2025 إلى أن قيادة المجلس كانت تسعى إلى ترميم شعبيته المتأثرة بهذه الأوضاع.
المحسوبية ليست السبب الوحيد في تراجع الثقة، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما تتزامن مع سوء الخدمات، والارتباك السياسي، وضعف الأداء المؤسسي.
فالجمهور قد يغفر لقيادة سياسية أخطاءها إذا شعر بأنها تحاول إصلاح نفسها، لكنه يصبح أقل تسامحاً عندما يرى أن الفرص والمواقع موزعة داخل دائرة مغلقة من المقربين.
هل المشكلة في الأقارب أم في طريقة اختيارهم؟
هنا ينبغي التمييز بين أمرين.
ليس من المنطقي أن يُمنع شخص مؤهل من تولي منصب لأنه قريب لمسؤول. فذلك قد يتحول هو الآخر إلى صورة من صور الظلم. المعيار الصحيح هو تكافؤ الفرص. إذا تقدم شخصان إلى موقع واحد، وكانت مؤهلات أحدهما أعلى وخبرته أوسع، فينبغي أن يحصل عليه بغض النظر عن اسمه أو منطقته أو علاقاته.
أما إذا كان القريب الأقل كفاءة يتقدم على الأكفأ لمجرد القرابة، فهنا تبدأ المحسوبية. ولذلك فإن مكافحة المحسوبية لا تحتاج إلى مطاردة أسماء العائلات، وإنما تحتاج إلى بناء نظام يجعل المحاصصة الشخصية صعبة، والاختيار الموضوعي ممكناً وقابلاً للتحقق.
الرقابة هي الحلقة المفقودة
لا يمكن لأي قيادة أن تطلب من نفسها النزاهة إلى الأبد من دون وجود مؤسسات رقابية.
فالقيادة قد تكون صادقة اليوم، لكنها قد تتغير غداً. والمسؤول النزيه قد يأتي بعده مسؤول أقل نزاهة. ولذلك فإن الدولة الحديثة لا تبني نزاهتها على حسن نية الأشخاص، وإنما على القواعد التي تمنع إساءة استخدام السلطة.
ومن هنا فإن أي مشروع سياسي جنوبي جديد يحتاج إلى منظومة واضحة تتضمن:
• معايير معلنة للتعيين والترقية.
• لجان اختيار مستقلة قدر الإمكان عن صاحب القرار المباشر.
• إعلان المؤهلات والخبرات للمرشحين للمواقع العليا.
• آلية واضحة لتقديم الشكاوى والاعتراضات.
• مراجعة دورية لأداء المسؤولين.
• منع تضارب المصالح.
• الكشف عن حالات القرابة المباشرة بين المسؤولين .
• تدوير المسؤولين وعدم تحويل المواقع إلى ملكيات شخصية.
• إخضاع القيادات العليا نفسها للرقابة، لا الاكتفاء بمراقبة المستويات الدنيا.
وإذا كان هناك بالفعل نص داخلي يمنع تعيين الأقارب من درجات محددة، فإن قيمة النص لا تقاس بوجوده في الوثائق، وإنما بمدى تطبيقه على الجميع، بما في ذلك المقربون من القيادة العليا.
فالقاعدة التي لا تُطبق على الأقوياء تتحول إلى مجرد ديكور مؤسسي.
كم الواضح اليوم أن المشكلة لم تكن دائماً في نقص الشخصيات، وإنما في غياب القواعد التي تجعل المؤسسة أكبر من الأشخاص.
وحتى إعلان حل المجلس الانتقالي في يناير 2026 لم يُنهِ الحاجة إلى هذا النقاش؛ بل جعله أكثر أهمية. فالمشهد الجنوبي، بحسب التطورات اللاحقة، دخل مرحلة إعادة تشكيل سياسي وعسكري، فيما ظهرت تحركات لإعادة تنظيم القوى المرتبطة بالانتقالي وفتح مكاتب واستعادة نشاط سياسي.
وهنا ينبغي أن يكون الدرس واضحاً: إذا أُعيد إنتاج الأدوات القديمة بالعقلية القديمة، فلن يكون تغيير الاسم أو الهيكل كافياً لتغيير النتيجة.
فالمشكلة ليست في (المجلس الانتقالي) وحده، ولا في هيئاته التي غادرت أو التي جاءت، وإنما في الثقافة السياسية التي قد تنتقل من كيان إلى آخر.
هل يستطيع الجنوب اليوم بناء مؤسسات حكومية وإدارية وسياسية لا تحكمها القرابة والمحسوبية؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
إن القضية الجنوبية، أياً كان الموقف منها، أكبر من أن تختزل في أشخاص، وأكبر من أن تكون ملكاً لتنظيم سياسي واحد أو عائلة واحدة أو منطقة واحدة.
وإذا كان الهدف بناء حامل سياسي يحظى بثقة الجنوبيين، فإن أول اختبار لهذا الحامل سيكون داخلياً قبل أن يكون خارجياً: هل يستطيع أن يقنع أبناء الجنوب بأن الموقع العام ليس مكافأة على الولاء، وأن الوظيفة السياسية ليست إرثاً عائلياً، وأن الكفاءة لا تحتاج إلى واسطة كي تصل إلى مكانها؟
إن محاربة المحسوبية ليست ترفاً تنظيمياً، ولا قضية أخلاقية هامشية. إنها جزء من معركة بناء الشرعية نفسها.
فالشرعية السياسية لا تُكتسب فقط من عدد المؤيدين، ولا من القوة العسكرية، ولا من الدعم الخارجي، وإنما أيضاً من قدرة المؤسسة على إقناع الناس بأنها تعاملهم بعدالة.
ولعل أكبر درس يمكن استخلاصه من تجربة الانتقالي هو أن الكيان الذي يريد أن يحمل قضية شعب لا يستطيع أن يدير نفسه بعقلية شبكة المصالح الشخصية.
إن الجنوب الذي يطمح إلى بناء دولة حديثة يحتاج، قبل الدولة، إلى ثقافة سياسية حديثة؛ ثقافة تجعل الكفاءة فضيلة عامة، والمساءلة حقاً، والرقابة واجباً، والقرابة علاقة اجتماعية لا بطاقة عبور إلى السلطة.
وحين تصبح هذه القاعدة راسخة، لن يكون السؤال: من قريب من القائد؟
بل سيكون السؤال الوحيد الذي يستحق أن يُطرح:
من هو الأكثر كفاءة لخدمة الناس؟
وهنا فقط يمكن أن يبدأ الانتقال من شرعية الأشخاص إلى شرعية المؤسسات.



