العيون التركوازية في صنعاء
فجأة، وجد اليمنيون أنفسهم أمام طفل في الثانية عشرة من عمره، اسمه رسام بشير علي الآنسي، من مديرية آنس بمحافظة ذمار، وقد تحولت عيناه الزرقاوان ـ أو التركوازيتان كما وصفتها بعض المواقع ـ إلى حديث واسع في مواقع التواصل الاجتماعي. وتقول التقارير المنشورة في اليومين الأخيرين إن مقطعًا ظهر فيه الطفل وهو يمتطي حمارًا تجاوز 27 مليون مشاهدة خلال 24 ساعة، ثم بدأت العروض الإعلانية تنهال عليه.
واللافت في القصة ليس جمال عيني الطفل بقدر ما تكشفه الضجة المحيطة به من ميل وسائل التواصل إلى تحويل كل ملامح استثنائية إلى «ظاهرة» ثم إلى سلعة إعلامية.
فالعيون الزرقاء ليست اكتشافًا جديدًا في اليمن، ولا ظاهرة طارئة على صنعاء. ولعل تاريخ صنعاء نفسها يقدم مدخلًا طريفًا لفهم المسألة.
فالأتراك العثمانيون ظلوا حاضرين في اليمن خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وعادوا إلى صنعاء عسكريًا في 1872، واستمر وجودهم حتى انسحاب آخر إدارتهم وجنودهم في أعقاب الحرب العالمية الأولى؛ أي إن الوجود العثماني لم يكن مجرد مرور عابر، بل كان وجودًا سياسيًا وعسكريًا وإداريًا امتد عقودًا.
وترك العثمانيون وراءهم، بالطبع، آثارًا عمرانية وعسكرية وإدارية و(حلوانية) واضحة، فضلًا عن احتمال حدوث اختلاط سكاني خلال تلك الفترة. ومن هنا جاءت، في الذاكرة الشعبية اليمنية، حكاية «العيون التركية» التي ظلت تُفسَّر بها عيون بعض اليمنيين الزرقاء أو الخضراء.
لكن هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا أمام التفسير السهل: ليس كل يمني أزرق العينين تركيًا، وليس كل عين زرقاء في صنعاء شهادة على جد تركي!
فعلم الوراثة الحديث أكثر تعقيدًا بكثير. ولون العين ينتج عن تداخل عدد من الجينات، ولا تحدده قاعدة بسيطة من نوع «جين أزرق مقابل جين بني». وتؤكد الدراسات أن جينات مثل HERC2 وOCA2 تؤدي دورًا رئيسيًا في كمية الميلانين الموجودة في قزحية العين. بل إن العيون الزرقاء موجودة في مناطق واسعة من آسيا والشرق الأوسط، ولا يمكن رد وجودها جميعًا إلى هجرات تركية حديثة.
ولهذا فإن الصورة المتداولة لطفل آنس الجميل لا تحتاج إلى كل هذه الأساطير التي أُحيطت بها. فاليمنيون عرفوا أصحاب العيون الملونة منذ زمن بعيد، وظهرت صور مشابهة لأطفال يمنيين في السنوات الماضية، منها صورة طفل أشقر أزرق العينين من صنعاء تحولت هي الأخرى إلى «ترند» واسع عام 2022.
وهناك روايات كثيرة تتحدث عن إعجاب بعض الأسر الثرية، بل وبعض أفراد الأسرة الإمامية، بالعيون الزرقاء عند اختيار الزوجات، وعن القاضي التركي غلاب الذي يُقال إنه كان من أصحاب العيون الزرقاء واحتل موقعًا متقدمًا في دولة الإمام يحيى، فهي مادة مثيرة للاهتمام تستحق التوثيق من المصادر التاريخية الأصلية، لكن لا يصح تحويلها إلى دليل جيني على أن العيون الزرقاء في صنعاء «تركية الأصل».
المفارقة أن الطفل رسام الآنسي لم يفعل شيئًا كي يصبح مشهورًا. لم يختر لون عينيه، ولم يطلب أن يصوره أحد، ولم يكتب عن نفسه حكاية. كل ما فعله أنه وُلد بعينين زرقاوين في بلد اعتاد أن تكون عيون غالبية سكانه بنية.
أما نحن، فقد صنعنا منه في أيام قليلة قصة، وترندًا، ومادة إعلانية، وربما أسطورة جديدة عن «الأتراك في صنعاء».
والحقيقة أبسط من كل ذلك:
في اليمن عيون زرقاء منذ زمن طويل... وما يحتاج إلى تفسير ليس وجودها، بل لماذا قررنا اليوم أن نندهش منها!
واليوم ليس فقط العيون الزرقاء والمعسكرات التركية التي لا تزال تثير الاعجاب في صنعاء القديمة بل كذلك محلات الحلوى التركية التي يحتفظ احفاد الدم التركي وحدهم باسرارها



