بين هتاف الزعامات وغياب صوت الوطن
كتب (الأول) جلال الشعبي:
ما نشاهده اليوم في الشوارع من مسيرات وحشودٍ تهتف بأسماء أشخاص في الشمال كما في الجنوب يفرض علينا سؤالًا مؤلمًا وصريحًا:
لمن يكون هذا الولاء، ولأجل ماذا تُرفع الأصوات؟
نرى جماهير تُساق خلف رموزٍ ثبت فشلها وفسادها، تهتف لهم وكأنهم أوطان، وتدافع عنهم وكأنهم مستقبل. المفارقة المؤلمة أن هذه الأصوات نفسها نادرًا ما ارتفعت من أجل الوطن ذاته، من أجل كرامة المواطن، من أجل كهرباء لا تنقطع، أو راتب يكفي، أو اقتصاد ينقذ الناس من الفقر والجوع.
هل سمعتم يومًا هتافًا موحدًا يطالب بتصحيح المسار الاقتصادي؟
هل رأيتم حشودًا تخرج دفاعًا عن الخدمات، عن التعليم، عن الصحة، عن قيمة الإنسان؟
أم أن كل الحماس يُستنزف حين يتعلق الأمر بأسماء وأعلام وصراعات لا تخدم إلا قلة؟
المؤلم أكثر أن البعض مستعد أن يتقاتل لا لأجل وطنه، بل لأجل رفع علم دولة أخرى، أو خدمة مشروع خارجي، أو تلميع أجندات لا ترى في هذا الشعب سوى وقودٍ للصراع، وكأن الوطن أصبح تفصيلًا ثانويًا يمكن تجاوزه مقابل شعارات رنانة ووعود فارغة.
الوطن لا يُبنى بالهتاف للأشخاص، ولا بتقديس الزعامات، ولا بتحويل الخلاف السياسي إلى عداوة بين أبناء الشعب.
الوطن يُبنى بالوعي، بالمطالبة بالحقوق، بمحاسبة الفاسدين مهما كانت أسماؤهم، وبرفض استغلال الناس تحت أي لافتة.
نحن لا نحتاج مزيدًا من الأصنام السياسية، بل نحتاج مشروع دولة.
لا نحتاج صراخًا في الشوارع، بل صوتًا عاقلًا يطالب بالإصلاح.
ولا نحتاج أن نختلف شمالًا وجنوبًا، بل أن نتفق على أن الوطن أكبر من الجميع، وأبقى من كل الأسماء.
حين يصبح الهتاف للوطن لا للأشخاص، وحين تكون المعركة من أجل حياة كريمة لا من أجل راية غريبة،
عندها فقط يمكن أن نقول إننا نسير في الطريق الصحيح.
