التصوير الفوتوغرافي في سيؤن، البداية والتطور

مسعود عمشوش

شيئ من الماضي:

من المعلوم أن التصوير الفوتوغرافي (أو الشمسي) قد بدأ في فرنسا في نهاية الثلث الأول من القرن التاسع عشر. وهناك رحالة غربيون التقطوا صورا فوتوغرافية لبعض معالم سيؤن ومدن أخرى في حضرموت منذ نهاية القرن التاسع عشر. أما الرحالة الغربيون الذين زاروا وادي حضرموت في ثلاثينيات القرن العشرين، مثل فريا ستارك وفان در ميولن وهانس هيلفريتس، فقد وثقوا مختلف جونب الحياة والطبيعة في حضرموت في آلاف الصور التي نشروا جزءا منها في كتبهم عن حضرموت.

ومن المؤكد أن الحضارم قد عرفوا التصوير الفوتوغرافي أولاً في مهاجرهم الشرقية، وقد ذكرت فريا ستارك أن بعض أفراد عائلة الكاف في تريم كان لديهم كيمرات تصوير فوتوغرافية وسينمائية.

ولم تظهر استديوهات التصوير الفوتوغرافي الاحترافي في سيؤن إلا في مطلع ستينيات القرن الماضي، وذلك حينما بادر عمر بخضر، بعد عودته من سواحل إفريقيا، لفتح (ستديو بخضر للتصوير)، وقام ابن عيسى السقاف بفتح (ستديو السقاف). وكلاهما في دكاكين الأوقاف وسط سوق سيؤن التي أصبحت اليوم: سوق المعدن. وبعدهما فتح محمد بحرق ستديو للتصوير في شرقي دار الحافة المطل على موقف سيارات الأجرة. وفي مطلع السبعينيات قام الطالب صالح أحمد بن زيلع بترك عمله في (ستديو السقاف) وفتح له ستديو خاص - (استديو السعادة) - في زريبة السيارات المقابلة لبنقلة عبد الله بن بدر (مقهى أول مايو) بريد سيؤن اليوم. وقد عمل معه أخوه المرحوم سالم بن زيلع (لويو) وسالم بارمادة وربيع يحرب الذي سرعان ما تركهم وفتح له ستديو خاص سمّاه (ستديو السلام) خلف بيت آل حماد بجنب موقف سيارات القطن. وعند ربيع يحرب تدرب على التصوير عوض خميس عميّر الذي شارك لاحقا في تشغيل ستديو بارجاء أمام مسجد الرياض قبل أن يؤسس (ستديو الشارقة) أمام مجمع إدارة المأمور وسط السوق، وهو الأفضل حاليا.

وفي عمارة حماد افتتح (ستديو الشروق) الذي تخصص أولا في التسجيل الصوتي، ثم تحول للتصوير الفوتوغرافي وذلك في نهاية سبعينات القرن الماضي. وستديو الشروق هو أول ستديو امتلك معامل لتحميض وطباعة الصور بداخله. أما قبل ذلك فقد كان أصحاب الاستديوهات يرسلون الأفلام ومسودات الصور إلى عدن أو إلى الكويت لتحميضها. وكانت العملية تتم بسلاسة بفضل طيران عدن ثم طيران اليمدا.

وبعد ذلك -في نهاية القرن الماضي- أقدم المستثمر الدوعني باعقيل على خطوة جريئة جدا وذلك حينما قام بافتتاح (معامل باعقيل للتصوير) الاحترافي في سوق العوامر جنب سوق الخضار. وكانت هذه المعامل متطورة جدا وفريدة من نوعها في بلادنا إذ كانت متخصصة في التصوير الملون. لكنها أغلقت بسرعة. وربما تنتمي المصورة السعودية المحترفة دوعنية الأصل، سوزان باعقيل، لعائلة هذا المستثمر الطموح. فهي نالت عدة جوائز محلية وعربية ودولية وشاركت في معارض دولية في كل من القاهرة ولبنان وتونس ودبي واسبانيا وبريطانيا وسويسرا وأمريكا والنرويج واليابان. 

وقبل نحو عقدين من الزمن قامت سوزان باعقيل بجولة طويلة في ثلاث وستين مدينة وقرية وبلدة حضرمية، من بينها سيؤن والمكلا، وتريم، وشبام، والهجرين، وقيدون، ووادي دوعن بشقّيه الأيمن والأيسر. وخلال الجولة التقطت آلاف الصور عالية الجودة ونشرت جزءا كبيرا منها في ثلاثة مجلدات فاخرة تكون (موسوعة حضرموت بلاد الحضارمة) التي تضم أكثر من ألف صورة أصلية، مقدمة باللغتين العربية والإنجليزية.

التطور:

في الماضي كان للصور الفوتوغرفية (أو الشمسية)، ولاستوديوهات التصوير أهمية كبيرة. وكنّا نجد في كل مدينة استديو تصوير شهير نقوم فيه بالتقاط صور شخصية أو عائلية. وحتى نهاية سبعينيات القرن الماضي لم تكن آلات التصوير الورقية متوفرة ويٌطلب منّا إحضار صور شمسية لوثائقنا -شهادات وبطاقات شخصية - مختمة طبق الأصل من للحصول على منحة أو تأشيرة سفر.

 أما اليوم ومنذ انتشاء الكيمرات الرقمية والهواتف المتطورة والذواكر تقلصت أهمية استديوهات التصوير وأصبح معظم نشاطها يرتكز على طباعة الصور الشخصية الخاصة بالبطاقات والجوازات وملكيات المركبات وتراخيص السياقة. وحتى في هذا المجال أخذ دورها يتقلص بعد أن خصصت معظم إدارات الهجرة والجوازات والأحوال المدنية والمرور غرفا خاصة بتقديم هذه الخدمة داخل أروقتها.

ومع ذلك، وعلى الرغم من انتشار الهواتف ذات العدسات الحديثة والبرامج التي تتيح تعديل الصور وتحسينها بضغطة زر بسيطة، لا تزال هناك استوديوهات تصوير صامدة في مراكز المدن، لكنها لا تنشط فعلا إلا في أيام الأعياد عندما تقرر بعض الأسر أخذ صور تذكارية.

واليوم تراجعت وظيفة استوديو التصوير بالتدريج، وصارت تقتصر على طباعة الصور التي يلتقطونها بأنفسهم ويحضرونها في الذواكر أو الفلاشات للطباعة. والناس لا يحضرون لالتقاط الصور في الاستوديو إلا عند الضرورة وذلك للحصول على الصور اللازمة لاستخراج الوثائق الرسمية كالجوازات البطاقات الشخصية، حينما يكونون ملزمين بمواصفات محددة للصورة. اليوم كثير من الاستديوهات أصبحت مجرد أماكن لطباعة الوثائق ورقيا.

وبسبب ذلك اضطر كثير من المصورين المحترفين للتخصص في مجالات التصوير الأكثر طلباً مثل تصوير الأفراح والاحتفالات، خارج الاستوديو. وهناك مصورون فضلوا الانتقال إلى التصوير السينمائي وإنتاج مقاطع فيديو ترويجية وبودكستات قصيرة جدا يبيعونها لمحطات البث التلفزيوني المحلية

.