خيارات إنهاء الصراع واستعادة الدولة ــ رؤية اليمن – 2026
الحليف الصادق (السعودية الشراكة استراتيجية ) أمن البحر الأحمر • الأمن الإقليمي
مركز تهامة للدراسات والتنمية
ورقة سياسات بحثية( استراتيجية
تمثل لحظة عام 2026 نقطة تحوّل مفصلية في مسار الصراع اليمني، حيث ينتقل النزاع من كونه مواجهة عسكرية مفتوحة إلى كونه أزمة دولة وسيادة ومؤسسات ذات أبعاد أمنية وإقليمية متشابكة. تأتي هذه الدراسة من واقع مفاده أن إنهاء الصراع لا يتحقق عبر تسويات جزئية أو ترتيبات مؤقتة، بل عبر مشروع وطني متكامل لاستعادة المركز القانوني للدولة وبناء مؤسسي طويل المدى ، يدمج الأمن والسياسة والاقتصاد والمجتمع ضمن إطار واحد متماسك.
أن جوهر الأزمة يتمثل في تآكل احتكار الدولة للقرار والسلاح والموارد، وتعدد مراكز النفوذ، وتضخم اقتصاد الحرب القائم على شبكات رواد الحروب، مما أضعف ثقة المجتمع والشركاء الدوليين بقدرة الدولة على إنفاذ أي تسوية مستدامة. كما أن استمرار هذا الوضع قبل 2026 لا يشكل تهديداً داخلياً فحسب، بل يمثل خطراً مباشراً على الأمن الإقليمي والعربي، وأمن البحر الأحمر، والأمن الوطني للمملكة العربية السعودية.
كما أن الانقلاب المسلح لجماعة الحوثي يمثل جوهر أزمة المركز القانوني ومصدر عدم الاستقرار الممتد، وأن التعامل معه يتطلب مقاربة متوازنة تجمع بين الانخراط السياسي المشروط، والحسم المؤسسي المتدرج، والخيار الرادع للمشروع كملاذ أخير، في إطار القانون الدولي وحماية الأمن الإقليمي.
كما تبرز الدراسة أهمية شبكة التحفيز السياسي والحوار الجنوبي–الجنوبي الذي طلبته رئاسة الجمهورية، وترعاه المملكة العربية السعودية، بوصفهما أدوات داعمة لاستعادة الدولة وتهيئة بيئة سياسية وأمنية مستقرة، دون المساس بوحدة الدولة أو مركزها القانوني.
وتُقدَّم هذه كرؤية وتوصيات سياساتية موجهة للحكومة اليمنية برئاسة دولة رئيس الوزراء شايع الزنداني، وللشركاء الإقليميين والدوليين، بهدف تحويل عام 2026 إلى عام الحسم المؤسسي واستعادة الدولة، وضمان انتقال منظم نحو سلام مستدام يحفظ وحدة اليمن، ويعزز أمن الإقليم، ويؤمّن الممرات البحرية الدولية.
المحور الأول: تفكك الدولة وأزمة المركز القانوني والبعد الأمني قبل 2026
شهدت الدولة اليمنية خلال السنوات الماضية تآكلاً عميقاً في مركزها القانوني وقدرتها على ممارسة حقوقها الدستورية، نتيجة تعدد مراكز القرار السياسي والعسكري، وتراجع فاعلية المؤسسات، وغياب الانسجام بين السلطات المدنية والأمنية. هذا التفكك لم يبقَ شأناً داخلياً محصوراً، بل تحوّل إلى عامل تهديد مباشر للأمن الإقليمي والعربي، ولأمن البحر الأحمر، وللأمن الوطني للمملكة العربية السعودية.
وفي هذا السياق، أدى تفكك الدولة قبل 2026 إلى تحويل اليمن إلى ساحة مفتوحة لتقاطع مصالح وأجندات إقليمية متباينة، استغلت الفراغ السيادي لتصفية حسابات أمنية وسياسية، وتوسيع دوائر النفوذ غير المنضبطة. وأسهم هذا الواقع في تعقيد مسارات الحل، وإطالة أمد الصراع، وربط الاستقرار الداخلي اليمني بمعادلات إقليمية تتجاوز قدرته الذاتية على الاحتمال، بما يؤكد أن غياب الدولة لم يكن عامل ضعف داخلي فحسب، بل مصدر اختلال واسع في منظومة الأمن الإقليمي.
إن غياب الدولة اليمنية الموحدة خلق فراغاً أمنياً واسعاً استغلته مشاريع مسلحة واقتصادات غير مشروعة، ما أدى إلى تهديد خطوط الملاحة الدولية، وتدويل المخاطر المرتبطة بالسواحل اليمنية، وتحويل الجغرافيا اليمنية إلى ساحة ضغط إقليمي. كما مثّل هذا التفكك تحدياً مباشراً لأمن المملكة العربية السعودية، سواء عبر الحدود البرية أو من خلال تهديد الممرات البحرية الحيوية، بما يجعل استعادة الدولة اليمنية مسألة أمن قومي عربي وليست شأناً يمنياً داخلياً.
كما أسهم غياب وحدة القيادة والسيطرة في تقويض مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة، وأضعف قدرة الحكومة الشرعية على فرض القانون وتقديم الخدمات وبناء الثقة. وترافق ذلك مع تمدد اقتصاد الحرب، الذي لم يعد اقتصاد دولة أو إدارة موارد، بل منظومة مصالح لأمراء حرب وشبكات نفوذ تستفيد من استمرار التفكك وإطالة أمد الصراع.
المحور الثاني: الحسم المؤسسي كخيار أمني وسياسي واقعي لإنهاء الصراع
أن الحسم المطلوب في اليمن ليس حسمًا عسكريًا تقليديًا، بل حسم مؤسسي وأمني متكامل يعيد بناء الدولة بوصفها الضامن الوحيد للاستقرار الداخلي والإقليمي. ويكتسب هذا الحسم بعده الأمني من كونه السبيل الوحيد لإنهاء مصادر التهديد العابرة للحدود، وتجفيف البيئات التي تسمح بتهديد أمن الجوار والممرات الدولية.
ويقوم هذا الحسم على المسارات المترابطة التالية:
* استعادة احتكار الدولة للسلاح والقرار: عبر توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية تحت قيادة وطنية لمؤسسات الدولة الدستورية، وتحديدًا وزارة الدفاع ووزارة الداخلية، وربطها بسلسلة قيادة واضحة، بما يمنع إعادة إنتاج أي تشكيلات موازية أو اقتصاديات أمنية مستقلة.
* المسار الإداري المحلي: السلطات المحلية كركيزة للحسم المؤسسي والاستقرار :
ترى الدراسة أن استدامة الحسم المؤسسي في عام 2026 تتوقف على بناء علاقة تكاملية عضوية بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية في المحافظات، وفقاً للأطر الدستورية والتوافقات السياسية القائمة. إن فاعلية دولة رئيس الوزراء شايع الزنداني في إنفاذ "رؤية 2026" تتطلب تحويل السلطات المحلية من مجرد كيانات إدارية إلى "شركاء في السيادة والاستقرار"، وذلك عبر:
* تمكين الحكم المحلي أمنياً وإدارياً: تعزيز صلاحيات المحافظين ومدراء الأمن في المحافظات لتثبيت الاستقرار اليومي، مع ربطهم المباشر بالهياكل الدستورية لوزارتي الدفاع والداخلية، لضمان وحدة القرار ومنع التشظي.
* التوازن المالي والخدمي: إرساء قاعدة "المسؤولية المشتركة" في إدارة الموارد، بحيث تسهم السلطات المحلية في رفد الوعاء المالي الموحد للدولة، مقابل التزام الحكومة بضمان التدفق المالي لتقديم الخدمات الأساسية، مما يسقط مبررات "النمو الاقتصادي الموازي".
* تحصين الجبهة الداخلية: تفعيل دور السلطات المحلية في قيادة شبكة التحفيز السياسي والاجتماعي على مستوى القاعدة الشعبية، لضمان اصطفاف المجتمعات المحلية خلف مشروع الدولة، وتحويل "الخصوصيات المحلية" إلى نقاط قوة تدعم المركز القانوني للجمهورية ولا تنتقص منه.
* تفكيك اقتصاد الحرب: وإنهاء منظومة أمراء الحرب، من خلال نقل الموارد السيادية من منطق الجبايات والريع غير المشروع إلى إدارة مؤسسية شفافة، وتجريم مصادر التمويل الخارجة عن الدولة، وتحويل الاقتصاد من اقتصاد صراع إلى اقتصاد استقرار.
* بناء شبكة التحفيز السياسي والاجتماعي: باعتبارها الرافعة غير العسكرية للحسم المؤسسي، عبر تمكين التكتل الوطني للأحزاب، وإشراك القوى الاجتماعية والقبلية كشبكات استقرار لا كبدائل عن الدولة، وتفعيل دور النقابات، الجامعات، منظمات المجتمع المدني، والشباب والمرأة في دعم مشروع الدولة واستعادة الثقة الوطنية.
المحور الثالث: أمن البحر الأحمر – من ملف أمني إلى ركيزة سيادة وأمن إقليمي
لم يعد البحر الأحمر ملفاً أمنياً تقنياً، بل تحول إلى أحد مفاتيح الأمن الإقليمي والدولي، في ظل تهديد الملاحة العالمية، وتصاعد مخاطر عسكرة السواحل، واستخدامها كورقة ابتزاز سياسي. أن استمرار تفكك الدولة اليمنية قبل 2026 يعني بقاء هذا الممر الحيوي رهينة للفوضى والتهديد، بما ينعكس مباشرة على أمن الدول العربية المطلة عليه، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.
تأكد الدراسة أن استعادة الدولة اليمنية لسيادتها المؤسسية على السواحل والموانئ تمثل المدخل الحقيقي لتأمين البحر الأحمر، وحماية المصالح التجارية العالمية، ومنع تحويل الجغرافيا اليمنية إلى نقطة صراع دائم. كما يعزز ذلك مكانة اليمن كشريك مسؤول في منظومة الأمن الإقليمي، ويفتح المجال أمام شراكات دولية طويلة الأمد قائمة على الاستقرار لا على إدارة الأزمات.
المحور الرابع: الشراكة مع المملكة العربية السعودية – من الدعم إلى المأسسة والأمن المشترك
تشكل المملكة العربية السعودية الركيزة الإقليمية الأهم في دعم استعادة الدولة اليمنية، ليس فقط بوصفها قائدة التحالف العربي، بل باعتبار أن استقرار اليمن جزء لا يتجزأ من أمنها الوطني وأمن محيطها العربي. وتؤكد الورقة أن هذه الشراكة تمثل إطاراً للأمن المشترك، يربط بين استعادة الدولة اليمنية، واستقرار الحدود، وأمن البحر الأحمر.
وفي هذا السياق، تبرز أولوية الحوار الجنوبي–الجنوبي الذي طلبته رئاسة الجمهورية وترعاه المملكة العربية السعودية، كأحد المسارات السياسية الداعمة للحسم المؤسسي، وليس بديلاً عنه. إذ يمثل هذا الحوار أداة ضرورية لمعالجة التشظي السياسي في الجنوب، وتخفيف مصادر التوتر الداخلي، ومنع توظيف الخلافات البينية كمدخل لإضعاف المركز القانوني للدولة.
وتؤكد الدراسة أن الحوار الجنوبي–الجنوبي يسهم في:
* خلق بيئة سياسية وأمنية أكثر استقراراً في المحافظات الجنوبية.
* دعم توحيد القرار الأمني والعسكري ومنع تعدد الولاءات.
* تحييد الصراعات الداخلية عن الممرات البحرية والمناطق الحساسة.
* تعزيز ثقة الشركاء الإقليميين والدوليين بقدرة الدولة على إدارة التنوع السياسي ضمن إطارها الدستوري.
وتدعو الورقة إلى مأسسة هذا الدور ضمن أطر استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على تنسيق سياسي وأمني واضح بين الحكومة اليمنية والمملكة العربية السعودية، بما يضمن أن يكون الحوار الجنوبي–الجنوبي رافعة للاستقرار، لا مدخلاً لإعادة إنتاج الانقسام.
المحور الخامس: إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة الدولة كاملة – الخيارات الواقعية
يمثل الانقلاب المسلح الذي قادته جماعة الحوثي جوهر أزمة المركز القانوني والسيادي. وترى الورقة أن التعامل معه يجب أن يقوم على حزمة خيارات واقعية:
* خيار الانخراط السياسي المشروط: القبول بالحل السياسي مقابل إنهاء الانقلاب وتسليم السلاح الثقيل والاندماج في مؤسسات الدولة.
* خيار الحسم المؤسسي المتدرج: تقوية مؤسسات الدولة، وتجفيف موارد الجماعة، وعزل المشروع الانقلابي داخلياً وخارجياً.
* الخيار الردعي المشروع: كخيار أخير دفاعاً عن سيادة الدولة وأمن الإقليم والممرات الدولية.
المحور السادس: التوصيات والرؤية التنفيذية لعام 2026 – موجّهة للحكومة
تُقدَّم هذه الدراسة كرؤية وتوصيات سياساتية موجهة بشكل مباشر إلى الحكومة اليمنية برئاسة دولة رئيس الوزراء شايع الزنداني، وتوصي بما يلي:
* إعادة تعريف الأولويات الحكومية على أساس الأمن واستعادة المركز القانوني.
* استكمال دمج كافة التشكيلات العسكرية والأمنية تحت قيادة وطنية لمؤسسات الدولة الدستورية (وزارة الدفاع ووزارة الداخلية).
* إطلاق برنامج وطني لتفكيك اقتصاد الحرب وتجفيف موارد أمراء الحرب.
* تفعيل شبكة التحفيز السياسي عبر تمكين التكتل الوطني للأحزاب وإشراك القوى الاجتماعية.
* تفعيل بروتوكول "التكامل بين المركز والسلطات المحلية" لضمان وحدة القرار الإداري والمالي واستقرار المحافظات.
* توحيد الوعاء المالي وتعزيز دور البنك المركزي كمؤسسة سيادية جامعة.
* مأسسة الشراكة مع المملكة العربية السعودية ضمن إطار أمني وسياسي طويل الأمد.
الخلاصة:
تخلص الدراسة إلى أن عام 2026 يمثل لحظة فاصلة: إما استعادة الدولة اليمنية بوصفها ضامناً للأمن الوطني والإقليمي، أو استمرار التفكك.


