المحافظات المحررة.. غياب النموذج وأزمة الثقة!!

كيف يمكن اقناع اليمنيين بمشروع استعادة الدولة بينما يعجز كثير منهم عن الحصول على كهرباء مستقرة او راتب يكفي لتلبية احتياجات اسرهم الاساسية؟ إنه سؤال يفرض نفسه بقوة في ظل واقع يزداد قسوة يوماً بعد آخر، ويختبر قدرة الدولة على الحفاظ على ما تبقى من ثقة المواطنين.

كان من المفترض أن تتحول المحافظات المحررة، خلال السنوات الماضية، الى نموذج جاذب يؤكد للمواطنين في بقية انحاء البلاد أن استعادة الدولة تعني حياة افضل وخدمات افضل وفرصاً اوسع للاستقرار والتنمية. لكن الواقع الذي يعيشه ملايين اليمنيين اليوم يطرح سؤالاً آخر لا يقل اهمية: ماذا تحقق للمواطن العادي؟

لا راتب يكفي لمواجهة الانهيار المتواصل في قيمة العملة، ولا كهرباء مستقرة تخفف قسوة الصيف، ولا تعليم يحفظ مستقبل الاجيال، ولا خدمات عامة ترتقي الى الحد الأدنى من احتياجات الناس. وبينما تتراكم الأزمات، تتسع مشاعر الاحباط لدى المواطن الذي لم يعد يبحث عن الرفاهية، بل عن ابسط مقومات الحياة الكريمة.

المشكلة أن معركة استعادة الدولة ليست معركة عسكرية فقط، بل معركة ثقة ايضاً. فلا يمكن اقناع المواطن بجدوى مشروع سياسي او وطني إذا كان عاجزاً عن رؤية ثماره في حياته اليومية. فالدولة تقاس بما تقدمه للناس، لا بما ترفعه من شعارات. وعندما يشعر المواطن في المناطق المحررة أن الفارق بين واقعه وواقع المواطن في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين يتضاءل يوماً بعد آخر، فإن السؤال يصبح اكثر الحاحاً: كيف يمكن كسب معركة استعادة الوطن إذا كانت معركة تحسين حياة المواطنين ما تزال متعثرة؟

إن تحرير الارض هدف وطني مشروع، لكنه يفقد جزءاً من زخمه عندما تعجز مؤسسات الدولة عن تحرير المواطن من الفقر والعوز وانقطاع الخدمات. فالناس لا تقارن بين الخطابات السياسية، بل بين النتائج الملموسة في حياتها اليومية. ومن الصعب اقناع المواطنين بجدوى اي مشروع وطني كبير عندما يعجز هذا المشروع عن توفير الحد الادنى من متطلبات العيش الكريم.

ومن الشجاعة، في مثل هذا الوضع الراهن، أن نعترف بأن دولتنا منكوبة، ليس لأن السلطة والحكومة عاجزتان عن اشباع الفقير، بل لأنهما لم تستطيعا اشباع المسؤولين. فالمشكلة لا تكمن فقط في محدودية الموارد او تعقيدات الحرب، بل ايضاً في تعدد مراكز النفوذ، وغياب المساءلة الفاعلة، واستمرار انماط المحاصصة التي جعلت كثيراً من مؤسسات الدولة اسيرة لتوازنات المصالح اكثر من ارتباطها باحتياجات المواطنين. وبينما يزداد الفقير فقراً، وينتظر الموظف راتباً فقد جزءاً كبيراً من قيمته، تنشغل دوائر النفوذ بحسابات المواقع والمكاسب، ويقدم بعض اصحاب القرار الصمت او التنازلات ثمناً للبقاء في المنصب، فيما يدفع المواطن وحده كلفة هذا الاختلال.

ولهذا فإن اكبر تحد يواجه الشرعية اليوم ليس فقط استعادة ما تبقى من الجغرافيا، بل استعادة ثقة الانسان اليمني. فالدولة التي لا تستطيع أن توفر لمواطنيها الحد الأدنى من الحياة الكريمة ستجد صعوبة في اقناعهم بقدرتها على ادارة مستقبل افضل. فاستعادة الارض قد تفتح الطريق امام بناء الدولة، لكن استعادة ثقة المواطن هي التي تمنحها الشرعية والقدرة على الاستمرار. وعندما يصبح ارضاء مراكز النفوذ اولوية تتقدم على احتياجات الناس، فإن الخاسر الاول والاخير هو الوطن، ويصبح الفقير ضحية دولة لم تعجز عن اشباعه فحسب، بل عجزت اولاً عن وضع حد لشهية المسؤولين.