قراءة في الاستراتيجية السعودية في اليمن بين دعم الشرعية والتفاوض مع الحوثي
تقرير (الأول) أحمد الحنشي:
بعد سنوات من الحرب، تبدو الاستراتيجية السعودية في اليمن وكأنها تسير على مسارين متوازيين لا يلتقيان. ففي العلن خطاب داعم للحكومة الشرعية ومرجعيات الحل السياسي، بينما تدور في الخفاء تفاهمات ثنائية مع الحوثيين. هذا التناقض يضع الشرعية أمام واقع جديد يفرضه أمن الحدود على حساب المشروع السياسي.
ازدواجية الخطاب والواقع
تنتهج الرياض سياسة "المسارين": دعم معلن للحكومة الشرعية ماليًا وسياسيًا وإعلاميًا، مقابل قنوات تفاوض مباشرة مع الحوثيين بوساطة عُمانية لضمان أمن حدودها ومصالح رؤية 2030.
استهلاك الخطاب الرسمي
يحرص الخطاب السياسي والإعلامي السعودي على إظهار كل التحركات بأنها "دعم للشرعية" و"الشعب اليمني"، وكان آخرها ما جاء على لسان الباحث السعودي عواض القرني حيث قال إن الجوف قد تكون بوابة تحريك الجمود. ثقلها القبلي والاستراتيجي، مع تصاعد الرفض الشعبي للحوثي، قد يدفع لتحول ميداني يعيد المبادرة ويكسر حالة التفاوض الثنائي، بينما واقعيًا تعقد الرياض لقاءات وتفاهمات ثنائية مع الحوثيين في مسقط وصنعاء دون حضور ممثلي الحكومة، ما يمنح الجماعة شرعية تفاوضية كأمر واقع.
أولوية أمن الحدود
- الهدف الحقيقي: حماية العمق السعودي من الهجمات وتقليل كلفة الحرب على الاقتصاد. هذا ما يهم الجانب السعودي ويريد الحصول عليه بعيدًا عن دعم الشرعية والشعب اليمني.
- أبرز التحركات: زيارة الوفد السعودي إلى صنعاء 2023، تمديد الهدنة، نقاش ملفات الرواتب وفتح الميناء والمطار، وتفاهمات "عدم الاعتداء".
- غياب الشرعية: أغلب اللقاءات تمت دون حضور الحكومة، وآخرها الاجتماع الذي عُقد بين ممثلي جماعة الحوثي ووفد من الجانب السعودي في العاصمة العُمانية مسقط برعاية المبعوث الأممي غروندبرغ، ما عزز موقع الحوثي كطرف رئيسي.
الموقف الحكومي والحياد السعودي
تصاعد غضب الحكومة من أي خطاب يخفف توصيف الحوثي. وزير الإعلام معمر الإرياني هاجم لغة المبعوث الأممي، معتبرًا أن أي توصيفات غير منضبطة "تمنح المليشيا غطاءً سياسيًا" وتخالف القرار 2216 الملزم بتصنيفها جماعة انقلابية، فيما لم يصدر أي موقف من الجانب السعودي داعم للحكومة الشرعية تجاه خطاب المبعوث الأممي.
التوظيف الإعلامي والشعبي للحوثي
احتفل إعلام الحوثي عبر موقع "المسيرة" بعدم حضور ممثلي الشرعية في لقاءات مسقط، ووصفهم بـ"المرتزقة"، معتبرًا انحصار اللقاء بين الجانب السعودي والحوثيين اعترافًا بهم كسلطة شرعية. الحوثي ينجح شعبيًا بإظهار نفسه طرفًا رئيسيًا في الاتفاقيات الأممية، ويوظف التفاوض الثنائي لإظهار الحكومة الشرعية بالضعف أمام المواطن اليمني.
موازنة الأمن والشرعية
السعودية تدير الملف بمنطق "إدارة المخاطر" لا "الحسم". تدعم الشرعية كغطاء قانوني، وتفاوض الحوثي كسلطة أمر واقع. النتيجة: الحكومة أمام خيارين، قبول تسوية تفرضها التفاهمات السعودية-الحوثية، أو المخاطرة بفقدان الدعم السعودي.


