اليمن وتحولات الوعي.. قراءة في فلسفة الزمان والمكان

في البلدان المستقرة، تتشكل فلسفة الإنسان من ايقاع الحياة الطبيعية؛ من العمل والتعليم والعلاقات الاجتماعية والاحلام المؤجلة الى الغد. اما في البلدان التي تعيش التحولات العنيفة، فإن وعي الانسان يعاد تشكيله تحت ضغط الخوف والحرب والانقسام وتبدل الولاءات ومراكز النفوذ. واليمن، منذ سنوات طويلة، لم تعد مجرد ساحة صراع سياسي او عسكري، بل تحولت الى مساحة مفتوحة لتحولات الزمان والمكان، وانعكاساتهما العميقة على وعي الانسان وموقعه من الدولة والهوية والمستقبل.

ومن هنا، فإن قراءة الواقع اليمني تتجاوز التحليل السياسي التقليدي، لأن الأزمة لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل تحولات عميقة في الوعي الجمعي وعلاقة الإنسان بالزمان والمكان معاً.
فالزمان في اليمن لم يعد تسلسلاً طبيعياً للاحداث، بل اصبح زمناً مضطرباً تتداخل فيه المراحل، وكأن البلاد تعيش اكثر من عصر في وقت واحد. فبين من يفكر بعقلية الدولة الحديثة، ومن تحكمه ذهنية الجماعة او القبيلة او الاصطفاف العقائدي، يعيش المواطن العادي في زمن يومي ضيق، يبحث فيه عن الحد الادنى من الاستقرار بعيداً عن الشعارات الكبرى.

وقد غيرت الحرب مفهوم الزمن لدى اليمنيين. فبعد أن كان المرء يخطط لمستقبله بصورة طبيعية، تقلصت الفلسفة الزمنية اليوم إلى فكرة “النجاة”. لم يعد سؤاله: ماذا سأكون بعد سنوات؟ بل: كيف اعيش هذا اليوم باقل الخسائر؟ وهكذا انتقلت فلسفة الحياة من البناء الى البقاء، ومن المستقبل الى الحاضر فحسب.

اما المكان، فقد فقد هو الاخر معناه التقليدي. فالمكان ليس جغرافيا فقط، بل احساس بالامان والانتماء. غير أن اليمني اليوم يعيش قلقاً حتى داخل مدينته. مدن تغيرت هويتها، واماكن اصبحت خاضعة لموازين نفوذ متبدلة، وحدود نفسية نشأت بين ابناء الوطن الواحد. وبات المواطن يقيس المكان بالامان او النفوذ او الولاء، لا بقيمته الانسانية او الحضارية.

ولعل الاخطر أن هذه التحولات لم تغير الجغرافيا فقط، بل أعادت تشكيل الانسان نفسه. فعندما يفقد الفرد ثقته بالزمن ويتزعزع احساسه بالمكان، يصبح اكثر قابلية للانكفاء او الارتهان او الانقسام، وتتشكل اجيال لا ترى الدولة كمشروع جامع، بل كساحة نفوذ متنازع عليها.

ومن هنا يمكن فهم صراع النفوذ في اليمن، الذي لم يعد مجرد تنافس بين قوى محلية او اقليمية او كليهما، بل صراع على اعادة تشكيل الزمان والمكان في الوعي ذاته. فكل طرف يسعى لفرض روايته للدولة والتاريخ والهوية، وكأنه يعيد تعريف اليمن وفق رؤيته الخاصة.

وفي هذا السياق، يتشكل انسان مختلف عن الماضي؛ اكثر حذراً، اقل ثقة، واكثر ميلاً للتكيف مع موازين القوة بدلاً من القناعات المستقرة والثبات على المبادئ. ففي ازمنة الصراع الطويل، تتراجع القيم وتضعف المواقف امام ضرورات البقاء، ويصبح النفوذ هو اللغة الاكثر حضوراً في تشكيل العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهو ما يستدعي الوقوف بعمق امام طبيعة الصراع القائم اليوم في اليمن؛ بين معركة استعادة الدولة وحسم المواجهة مع جماعة الحوثي، وبين متطلبات التسوية السياسية الشاملة التي ينبغي أن تراعي خصوصية الجنوب والقضية الجنوبية واستحقاقاتها السياسية والتاريخية، بما يحقق تطلعات الجنوبيين ويؤسس لواقع اكثر استقراراً وعدالة في المستقبل.

ولهذا تبدو الأزمة اليمنية اعمق من حرب عسكرية، فهي صراع على الوعي ايضاً: كيف يفهم الانسان ذاته، وموقعه، وعلاقته بالسلطة والمجتمع والهوية. ومع طول امد الفوضى، يصبح الانقسام مألوفاً، ويعاد انتاجه نفسياً واجتماعياً.

ومع ذلك، فإن المجتمعات التي مرت بتحولات قاسية استطاعت أن تعيد تعريف علاقتها بالزمان والمكان. واليمن، رغم كل ما حدث، ما تزال تمتلك عمقاً حضارياً وإنسانياً قادراً على استعادة فكرة الدولة الجامعة متى ما توفرت الارادة السياسية والرؤية الوطنية.