بمناسبة اليوم العالمي للشباب.. شباب اليمن وعدن الأولوية التي لا تقبل التأجيل
في اليوم العالمي للشباب، يقف العالم ليحتفل بالأرقام والإنجازات ومؤشرات التنمية المستدامة. لكن هنا في اليمن، وفي قلب عدن تحديداً، يأخذ هذا اليوم بعداً آخر تماماً. الحديث عن الشباب عندنا ليس ترفاً فكرياً ولا شعاراً موسمياً يُرفع في المناسبات، بل هو حديث عن البقاء، عن المقاومة بالابتكار، وعن صناعة الأمل من رحم واقع شديد القساوة امتزج بألم .
طوال سنوات، دفع شباب هذا الوطن الثمن الأكبر لظروف لم يصنعوها. ومع ذلك، إذا نظرت بتمعن في شوارع عدن، في قاعات جامعاتها، في المبادرات التطوعية، وفي الفضاءات الرقمية، فلن تجد جيلاً مكسوراً. ستجد شباباً وشابات يمتلكون إرادة صلبة، وعناداً جميلاً في حب الحياة وصناعة السعادة . ستجد رياديين يطلقون مشاريعهم من الصفر، ومبرمجين ومبدعين يعملون تحت وطأة انقطاع التيار الكهربائي، ومبادرين يلملمون جراح مدينتهم بجهود ذاتية منهم من يرسم على الجدران المتألمة من اصابات الحرب ومنهم من يسعى عبر مبادرات شبابية لخدمة المجتمع . إنهم يمثلون مزيجاً نادراً بين أصالة الهوية اليمنية، وحيوية عدن المنفتحة على المستقبل.
لكن، لا ينبغي أن يُتخذ هذا الصمود ذريعة لإهمالهم. إن الإشادة بصبر الشباب دون منحهم الأدوات والفرص هو نوع من الإجحاف. والحقيقة المؤلمة التي يجب أن نواجهها جميعاً اليوم هي أن العقول الفذة بلا فرص حقيقية تظل طاقات معطلة وموؤودة.
من هنا، يجب أن تتجاوز رسالتنا الجدران الصماء و المكاتب المغلقة لتصل بوضوح إلى الحكومة وصناع القرار والمنظمات الدولية. إن الاستثمار في الشباب اليوم لم يعد خياراً ثانوياً أو منحة تُقدم تفضلاً؛ بل هو الأولوية القصوى والشرط الأساسي والوحيد لإنقاذ هذا الوطن وإعادة بنائه.
لقد حان الوقت لتغيير العقلية الرسمية في التعامل مع هذا الملف. الشباب ليسوا عبئاً اقتصادياً أو اجتماعياً بحاجة إلى إدارة أزمات، بل هم الرافعة الحقيقية لأي حل تنموي أو اقتصادي. كفّوا عن تقديم المسكنات المؤقتة، وافتحوا الأبواب المغلقة، وسلموا راية المبادرة لمن يستحقها. وفروا البيئة المستقرة التي تجعل الشاب يبني مستقبله داخل وطنه، بدلاً من أن تكون الهجرة هي حلمه الأوحد للنجاة.
وفي هذا السياق، يجب أن ندرك جميعاً أن تمكين الشباب الحقيقي يبدأ من النأي بهم وبقضاياهم عن مقصلة التجاذبات والصراعات والمناكفات الحزبية . لقد دفع شبابنا أثماناً باهظة جراء محاولات تسييس طموحاتهم أو استخدامهم كوقود للمهاترات الإعلامية والصراعات الضيقة . إن قضايا الشباب وعقولهم هي ملك للمستقبل وبناء الوطن، ولا ينبغي لأي طرف سياسي أو حزبي اختزال هذه الطاقات الصافية أو استغلالها لخدمة أجندات مؤقتة؛ فالشباب هم شركاء التنمية لا أدوات الصراع .
الأوطان لا تُبنى بالأمنيات، ولا بتكرار السياسات القديمة التي أثبتت عجزها . الأوطان تُبنى عندما تلتقي طاقة الشارع بمسؤولية الدولة . امنحوا شباب عدن واليمن الثقة التي يستحقونها، والبيئة التي تحميهم، فاليمن لن ينهض مجدداً إلا بسواعد وعقول شبابه.
ومن هنا، ومن قلب العاصمة عدن ، نطلقها دعوة مباشرة وصريحة لكافة المكونات الحكومية، والمجتمعية، والمنظمات الدولية : لقد حان الوقت لتدشين "منصة حوارية مستدامة" وإطلاق "مؤتمر شباب عدن الأول". نريد مؤتمراً مستقلًا لا يكتفي بالشعارات، بل يجمع الشباب بصناع القرار على طاولة واحدة، ليرسموا معاً خريطة طريق حقيقية لتمكين هذه الطاقات، وتحويل أفكارهم المبدعة إلى مشاريع تنموية على أرض الواقع. لنجعل من هذا العام نقطة التحول، وليكن صوت شباب عدن هو البداية."



