حين يسافر الحضارم... ويكتبون العالم

حين يسافر الحضارم... ويكتبون العالم

بقلم محمد باسنبل

ليست الكتب التي تستحق أن يُكتب لها تقديم هي تلك التي تكتفي بإعادة نشر ما قيل، أو بجمع ما تفرق من النصوص، وإنما هي الكتب التي تضيف إلى المعرفة سؤالًا جديدًا، أو تفتح أمام القارئ أفقًا لم يكن مطروقًا من قبل. ومن هذا القبيل يأتي كتاب الأستاذ الدكتور مسعود عمشوش (أدب الرحلة في حضرموت ، العالم بعيون الحضارم) في طبعته الثانية، بعد مراجعة علمية شاملة، جعلت منه أكثر من مجرد كتاب عن الرحلات الحضرمية، ليغدو دراسة متكاملة في أدب الرحلة، وفي رؤية الحضرمي للعالم والإنسان والحضارة.

وليس غريبًا أن يتجه الدكتور مسعود عمشوش إلى هذا الحقل؛ فهو واحد من أبرز الباحثين الذين انشغلوا، على مدى سنوات طويلة، باستجلاء صورة اليمن وحضرموت في كتابات الرحالة الغربيين، فأنجز دراسات رصينة كشفت عن تمثلات المكان اليمني في المدونات الأوروبية، وقرأها قراءة نقدية تجمع بين الأدب المقارن والدراسات الثقافية والتاريخ الفكري. غير أن الباحث، في هذا الكتاب، ينجز انتقالًا منهجيًا بالغ الدلالة؛ إذ ينتقل من دراسة حضرموت كما رآها الآخر إلى دراسة العالم كما رآه الحضارم. وبين النظرتين مسافة معرفية واسعة؛ فالأولى تكشف صورة المكان في عيون الغرباء، أما الثانية فتكشف صورة العالم في وعي أبناء حضرموت أنفسهم.

ومن هنا تتجلى أهمية هذا العمل؛ إذ يعيد الاعتبار إلى نصوص رحلية ظلت، في كثير من الأحيان، مبعثرة في بطون الكتب أو حبيسة الطبعات القديمة، على الرغم مما تختزنه من قيمة أدبية وثقافية وتاريخية. فالرحلات التي يضمها هذا الكتاب ليست مجرد يوميات أسفار، بل هي وثائق حضارية، تسجل خبرة إنسانية عاشها رجال خرجوا من حضرموت إلى آفاق بعيدة، حاملين معهم ثقافتهم، ومنفتحين في الوقت نفسه على ثقافات الآخرين.

ولعل من أجمل ما يكشف عنه هذا الكتاب أن حب الترحال لم يكن عند الحضارم نزوة عابرة أو ميلًا فرديًا، بل كان جزءًا أصيلًا من تكوينهم التاريخي. فمنذ قرون طويلة عرف أبناء حضرموت الهجرة والتجارة وطلب العلم، وركبوا البحار، وجابوا الصحارى، واستقروا في شرق أفريقيا، والهند، وإندونيسيا، وماليزيا، وجزر القمر، والخليج العربي، وغيرها من الأقاليم. ولم تكن هجرتهم مجرد انتقال جغرافي، بل كانت حركة حضارية واسعة، أسهموا من خلالها في التجارة، والتعليم، والدعوة، وبناء الجسور بين الشعوب.

غير أن هذا التاريخ الحافل بالأسفار لا يكتمل إلا بما يلفت إليه هذا الكتاب، وهو أن بعض هؤلاء الرحالة لم يكتفوا بصناعة التجربة، بل حرصوا على تدوينها. فكتبوا نصوصًا تمتزج فيها المشاهدة بالتأمل، والوصف بالتحليل، والسرد بالانطباع، فقدموا للقارئ العربي صورًا نابضة عن البلاد التي زاروها، وعن الشعوب التي خالطوها، وعن الحضارات التي شاهدوها عن قرب. وهكذا تحولت الرحلة من تجربة شخصية إلى نص أدبي، ومن ذكرى فردية إلى وثيقة ثقافية تستحق أن تُقرأ وأن تُدرس.

وتنبع قيمة هذا الكتاب كذلك من اختيارات مؤلفه؛ فهو لا يبحث عن الأسماء المشهورة وحدها، بل يعيد اكتشاف نصوص ربما لم تحظ بما تستحقه من عناية، ويقدمها في سياق نقدي يكشف قيمتها الفنية والفكرية. فمن شيخ بن محمد الحبشي إلى صالح بن علي الحامد، ومن محمد بن هاشم إلى علي أحمد باكثير، ومن عبد الله سالم باوزير إلى ربيع عوض بن عبيد الله، ومن جعفر محمد السقاف إلى عمر عبد الله العامري، تتشكل أمام القارئ بانوراما رحلية تمتد عبر قرن كامل، وتتوزع على فضاءات جغرافية وثقافية متعددة، لكنها تلتقي جميعًا في انتمائها إلى التجربة الحضرمية.

وإذا كانت الطبعة الأولى قد قدمت خدمة جليلة بإحياء هذه النصوص والتعريف بها، فإن الطبعة الثانية تمثل خطوة أبعد في النضج العلمي. فلم يكتف الدكتور عمشوش بتنقيح المادة أو إضافة رحلة جديدة، بل أعاد النظر في البناء العام للكتاب، وأضاف إليه فصلين جديدين يكشفان عن وعيه المستمر بتطور الدراسات الأدبية الحديثة، وحرصه على ألا يبقى الكتاب أسيرًا للإطار التقليدي.

فقد استهل هذه الطبعة بفصل تمهيدي موسع يتناول نشأة أدب الرحلة في الحضارات القديمة، ثم تطوره في الحضارة الإسلامية، وانتقاله إلى أوروبا، وصولًا إلى المناهج النقدية الحديثة التي أعادت قراءة النص الرحلي في ضوء السرديات، والنقد الثقافي، ودراسات ما بعد الاستعمار، وصورة الآخر. ولا يقتصر هذا الفصل على تقديم معلومات تاريخية، بل يضع الرحلات الحضرمية في سياقها العالمي، ويمنح القارئ المفاتيح النظرية التي تعينه على فهمها واستيعاب خصوصيتها.

أما الإضافة الثانية، فهي الفصل المعنون (العالم بعيون الحضارم: قراءة في تمثلات الآخر في أدب الرحلة الحضرمي)، وهو في تقديري من أهم ما جاءت به هذه الطبعة. ففي هذا الفصل لا يتوقف المؤلف عند تحليل كل رحلة على حدة، بل ينتقل إلى قراءة مقارنة تستخلص السمات المشتركة للرؤية الحضرمية للعالم. ومن خلال هذه القراءة تتبدى صورة الحضرمي بوصفه رحالة لا يبحث عن الغريب والعجيب بقدر ما يبحث عن الإنسان، ولا ينبهر بالحضارة لمظاهرها وحدها، بل يتأمل أسباب تقدمها، ولا ينظر إلى الآخر بعين الخصومة، وإنما بعين التعارف والحوار.

وهذه الرؤية، فيما يبدو لي، ليست وليدة الصدفة، وإنما هي ثمرة تاريخ طويل من الاحتكاك بالشعوب والثقافات. فالحضرمي الذي اعتاد السفر، والتجارة، والإقامة في المجتمعات البعيدة، اكتسب قدرة خاصة على التفاعل مع الآخر دون أن يفقد هويته، وعلى الإفادة من تجارب الأمم دون أن يتخلى عن مرجعيته الثقافية. ولذلك جاءت نصوصه الرحلية بعيدة عن التعصب، قريبة من الاعتدال، قائمة على الملاحظة الدقيقة، والاحترام المتبادل، والرغبة في الفهم قبل إصدار الأحكام.

ومن يقرأ هذا الكتاب يخرج بانطباع واضح مفاده أن أدب الرحلة الحضرمي لا يمثل هامشًا في الأدب العربي، بل يشكل رافدًا مهمًا من روافده، يستحق أن يحظى بمزيد من البحث والاهتمام. فهو يجمع بين القيمة الأدبية والبعد التوثيقي، ويكشف عن جوانب من التاريخ الاجتماعي والثقافي لحضرموت، كما يسجل صورة العالم في مرحلة شهدت تحولات كبرى في الشرق والغرب.

ويحسب للدكتور مسعود عمشوش أنه لم يتعامل مع هذه النصوص بوصفها وثائق جامدة، وإنما قرأها قراءة نقدية واعية، تستفيد من مناهج البحث الحديثة، دون أن تفقد صلتها بالنصوص الأصلية. فكان همه أن يعيد تقديمها للقارئ المعاصر في ضوء أسئلة النقد الراهنة، وأن يكشف ما تنطوي عليه من دلالات تتجاوز حدود الوصف الجغرافي إلى قضايا الهوية، وتمثيل الآخر، والحوار بين الثقافات.

إن هذه الطبعة الثانية ليست مجرد إصدار منقح، وإنما هي ثمرة مراجعة علمية حقيقية، تكشف عن إيمان مؤلفها بأن الكتاب الجيد لا يتوقف عن النمو، وأن البحث العلمي مشروع مفتوح، يزداد عمقًا كلما ازدادت خبرة صاحبه واتسعت آفاق المعرفة من حوله. ومن هنا تبدو إضافات هذه الطبعة تعبيرًا عن روح الباحث الذي لا يكتفي بما أنجز، بل يظل في حوار دائم مع نصوصه، ومع مناهج عصره، ومع قرائه.

ولا يسعني في ختام هذه الكلمة إلا أن أحيي هذا الجهد العلمي المتميز، الذي يعيد إلى أدب الرحلة الحضرمي مكانته التي يستحقها، ويكشف عن جانب مضيء من إسهام أبناء حضرموت في الثقافة العربية. وإني على يقين بأن هذه الطبعة ستسهم في توسيع دائرة الاهتمام بهذا اللون من الكتابة، وستدفع باحثين آخرين إلى إعادة اكتشاف ما تزخر به المكتبة الحضرمية واليمنية من نصوص رحلية جديرة بالتحقيق والدراسة.

فهذا الكتاب لا يدعونا إلى قراءة رحلات ثمانية حضارم فحسب، بل يدعونا إلى قراءة حضرموت نفسها؛ تلك الأرض التي خرج منها رجال حملوا أوطانهم في ذاكرتهم، وفتحوا قلوبهم للعالم، ثم عادوا إلينا بنصوصٍ جعلت من الرحلة أدبًا، ومن المشاهدة معرفة، ومن اللقاء بالآخر سبيلًا إلى اتساع الرؤية وثراء التجربة الإنسانية.

أن د. مسعود عمشوش لم يجمع نصوص الرحلات الحضرمية فحسب، بل نقل دراستها من مستوى الوصف والتوثيق إلى مستوى التحليل الثقافي والنقدي، وهو ما يمنح هذه الطبعة الثانية مكانتها بوصفها عملًا علميًا متجددًا، لا مجرد إعادة إصدار.