رواية (عايض بين القُف والقرن) وثيقة علمية للتحول الاجتماعي

رواية (عايض بين القُف والقرن) وثيقة علمية للتحول الاجتماعي

تقديم طه البحر

منذ أن اتسع أفق الرواية العربية الحديثة، لم تعد الرواية مجرد فضاء للتخييل أو وعاء لحكاية الأفراد، بل غدت، في كثير من تجلياتها، خطاباً معرفياً علميا موازياً للتاريخ، وسجلاً للتحولات الاجتماعية التي تعجز الوثائق الرسمية عن تمثيلها؛ لأنها تكتفي برصد الوقائع، بينما تنفذ الرواية إلى ما هو أعمق، فتستكشف البنية الداخلية للمجتمع، وتكشف التحولات الصامتة التي تطرأ على منظومة القيم والوعي والهوية. ولهذا لم يكن غريباً أن ينظر عدد من منظري الرواية الحديثة إلى النص الروائي بوصفه وثيقة ثقافية وأنثروبولوجية بقدر ما هو عمل جمالي، لأن الرواية، في جوهرها، لا تروي ما حدث فحسب، وإنما تكشف كيف عاش الإنسان ذلك الحدث، وكيف أعاد تشكيل ذاته في خضمه.

وانطلاقاً من هذا الفهم، يمكن قراءة رواية (عايض بين القُف والقرن) للدكتور مسعود عمشوش، لا بوصفها رواية عن أسرة انتقلت من البادية إلى المدينة، وإنما بوصفها نصاً يرصد أحد أهم التحولات الحضارية التي شهدها المجتمع الحضرمي خلال القرن العشرين، حين انتقلت أعداد كبيرة من سكان الهضاب والصحاري من اقتصاد الرعي والترحال إلى اقتصاد التجارة والاستقرار، ومن ثقافة المشافهة إلى ثقافة التعليم، ومن المجال القبلي إلى المجال المدني، وما صاحب ذلك كله من إعادة تشكيل لمفهوم الانتماء والهوية والعلاقات الاجتماعية.

ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذه الرواية أنها لا تمثل مشروعاً روائياً معزولاً في تجربة مؤلفها، وإنما تندرج في سياق مشروع سردي واضح الملامح، ظل الدكتور مسعود عمشوش يشتغل عليه خلال أعماله الروائية، وهو مشروع يسعى إلى مساءلة التحولات الاجتماعية الكبرى التي عرفها المجتمع الحضرمي الحديث، ورصد آثارها في الإنسان قبل المكان.

ففي روايته الأولى (عسكول) تناول انتقال بعض أبناء قبائل الصيعر من زمخ ومنوخ إلى مدينة سيئون، متتبعاً الصدمة الحضارية الأولى التي رافقت هذا الانتقال، وما أثاره من أسئلة حول التعليم والعمل والانتماء والاندماج. أما في (عايض بين القُف والقرن) فإنه يواصل المشروع نفسه، ولكن من زاوية أكثر نضجاً واتساعاً، فيختار أسرة غيث بن عايض البس القادمة من القُف في الهضبة الشمالية لحضرموت، لتصبح نموذجاً سردياً يعكس تجربة شريحة اجتماعية واسعة عاشت التحول ذاته، واختبرت الأسئلة نفسها، وإن اختلفت التفاصيل.

غير أن القيمة الحقيقية لهذه الرواية لا تكمن في موضوعها وحده، وإنما في الكيفية التي عالج بها الكاتب هذا الموضوع. فالروائي لا ينظر إلى الانتقال من البادية إلى المدينة بوصفه انتقالاً مكانياً، بل يقدمه بوصفه انتقالاً بين نسقين ثقافيين متباينين، لكل منهما منظومته الخاصة في فهم العالم وتنظيم العلاقات الإنسانية.

فالقُف، في هذا النص، ليس مجرد فضاء جغرافي، وإنما يمثل منظومة قيم كاملة؛ حيث الصحراء، والقبيلة، والذاكرة، والتكافل، والحكمة الشفوية، والقدرة على قراءة الطبيعة. أما القرن، فإنه لا يمثل مجرد حي في مدينة سيئون، بل يجسد فضاءً اجتماعياً جديداً، يقوم على المدرسة، والسوق، والمؤسسات المدنية، وقيم الاستقرار والعمل التجاري.

ومن هنا يكتسب عنوان الرواية دلالته العميقة؛ لأنه لا يحيل إلى مكانين متجاورين، بل إلى عالمين ثقافيين كاملين، تتحرك الشخصيات بينهما، وتعيش في منطقة التماس الحضاري التي تتولد فيها أسئلة الهوية والانتماء.

لقد استطاع الدكتور مسعود عمشوش أن يقدم صورة دقيقة للمحنة التي عاشها الجيل الأول من المهاجرين من البادية إلى المدينة. فغيث لا يعاني من الفقر بقدر ما يعاني من محاولة اكتساب شرعية اجتماعية داخل مجتمع جديد، بينما يكتشف أبناؤه أن النجاح في التجارة أو التعليم لا يعني بالضرورة القبول الاجتماعي الكامل. وهنا تلامس الرواية واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمعات التقليدية، وهي استمرار الذاكرة الاجتماعية في تصنيف الناس وفق أصولهم الأولى، حتى بعد تغير أوضاعهم الاقتصادية والثقافية.

غير أن الرواية لا تستسلم لهذا التصور الثنائي، ولا تقدم المدينة باعتبارها فضاءً مثالياً، كما لا تتعامل مع البادية باعتبارها بقايا ماضٍ ينبغي تجاوزه. بل تمارس نقداً مزدوجاً للطرفين؛ فهي تكشف ما في المدينة من نزعة إقصائية تجاه الوافد، كما تكشف في الوقت نفسه ما في البادية من مقاومة لبعض مظاهر التغيير. ومن خلال هذا التوازن، يصل النص إلى رؤية أكثر تركيباً، مؤداها أن المستقبل لا يتحقق بقطع الجذور، كما أن التشبث بالماضي لا يصنع المستقبل.

ومن أبرز ما يميز هذا العمل أن الروائي يكتب التاريخ الاجتماعي من أسفل، إذا جاز التعبير؛ فهو لا ينشغل بالتحولات السياسية الكبرى، ولا بالأحداث الرسمية، وإنما يلتقط آثارها في الحياة اليومية للناس: في المدرسة، والسوق، والزواج، واللهجة، والملبس، والعلاقات الأسرية، وحتى في تفاصيل الذاكرة الصغيرة. وهذه هي المنطقة التي كثيراً ما تغفلها الدراسات التاريخية والاجتماعية، بينما تمنحها الرواية حياة كاملة.

ومن هنا، فإن هذه الرواية تكتسب أهمية خاصة بالنسبة للباحثين في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا الثقافية. ذلك أن النص الروائي يستطيع، في أحيان كثيرة، أن يقدم معرفة بالمجتمع لا تقل قيمة عن المعرفة التي تنتجها الدراسات الميدانية، بل قد يتجاوزها؛ لأنه لا يكتفي بوصف الظاهرة، وإنما يكشف بنيتها الشعورية، ويصور أثرها النفسي، ويرصد كيفية تشكلها داخل الوعي الفردي والجمعي. ولذلك فإن (عايض بين القُف والقرن) لا تقدم مادة أدبية فحسب، وإنما تحفظ جانباً مهماً من الذاكرة الثقافية لحضرموت، بما تتضمنه من الأعراف، والعادات، والمفردات، وأنماط التفكير، والتحولات التي صاحبت الانتقال من المجتمع البدوي إلى المجتمع المدني.

ولا يفوت القارئ كذلك ما يكشف عنه هذا النص من وعي فني دقيق في بناء الشخصيات. فالأسماء في هذه الرواية ليست علامات تعريفية محايدة، وإنما تؤدي وظيفة دلالية واضحة. إن أسماء مثل غيث، ومطر، ورحمة وطشة، وغيرها، تنتمي جميعها إلى الحقل الدلالي للمطر، وهو العنصر الأكثر مركزية في المخيال الصحراوي. وكأن الشخصيات تحمل بيئتها الأولى في أسمائها، حتى وهي تغادرها مكانياً. وهذا الاختيار ليس تفصيلاً عارضاً، بل يكشف عن إدراك عميق للعلاقة بين الاسم والهوية داخل البنية السردية.

وعلى المستوى الفني، تبدو الرواية وفية لما يمكن أن نسميه جماليات البساطة العميقة؛ فهي تتجنب البلاغة المتكلفة، وتبني تأثيرها من خلال الاقتصاد اللغوي، والحوار المكثف، والمشهد القصصي الذي تتجاوز دلالته حدوده المباشرة ليصبح علامة على تحولات اجتماعية أوسع. ولذلك فإن كثيراً من المشاهد لا يمكن قراءتها بوصفها أحداثاً فردية، بل بوصفها استعارات سردية لتحولات مجتمع بأكمله.

إن الدكتور مسعود عمشوش لا يكتب هنا تاريخ أسرة البس وحدها، وإنما يكتب، في حقيقة الأمر، سيرة جيل كامل عاش لحظة الانتقال الكبرى بين عالمين، وحاول أن يصالح بين الوفاء للأصل والانفتاح على المستقبل. وهي قضية لم تفقد راهنيتها حتى اليوم، لأن سؤال الهوية لا يزال أحد أكثر الأسئلة حضوراً في المجتمعات التي تعيش تحولات متسارعة.

ومن هنا، فإن هذه الرواية تستحق أن تُقرأ بوصفها عملاً أدبياً رفيعاً، وبوصفها أيضاً وثيقة ثقافية تحفظ جانباً من الذاكرة الحضرمية الحديثة، وتفتح أمام الباحثين في الأدب والاجتماع والأنثروبولوجيا آفاقاً واسعة للتأمل في العلاقة المعقدة بين المكان والإنسان، وبين الذاكرة والتاريخ، وبين الأصل والتحول.

وهذا، في تقديري، هو الإنجاز الأبرز لهذه الرواية؛ أنها لا تروي رحلة من القُف إلى القرن، وإنما تروي رحلة المجتمع الحضرمي نفسه، وهو يعبر، بهدوء وثقة، من زمن إلى زمن، دون أن يفقد صلته بجذوره العميقة.