عمشوش بين سيئون وبوردو

عمشوش بين سيئون وبوردو

بقلم الصادق بن كولا

هناك نصوص سيرة ذاتية لا يكتبها أصحابها لأنهم يريدون أن يقولوا للناس: (هذا ما فعلتُ في حياتي)، وإنما يكتبونها لأن الحياة نفسها، بعد أن تتقدم بها السنون، تبدأ في طرق أبواب الذاكرة، وتطالب بأن تُستعاد قبل أن يطويها النسيان. وفي هذا النوع من الكتابة لا يعود الماضي مجرد سلسلة من الوقائع المنقضية، بل يتحول إلى مادة أدبية يعاد تشكيلها في ضوء الحاضر، وإلى مرآة يرى فيها الكاتب صورته الأولى، كما يرى العالم الذي صنعه وصنعه في الوقت نفسه.

من هذه المنطقة المضيئة بين الذاكرة والأدب يأتي كتاب الأستاذ الدكتور مسعود عمشوش: (أيامي في سيئون وبوردو)، الذي صدر في جزئه الأول، إلى جانب نصه الفرنسي Mes jours à Say’un et à Bordeaux (Bédouin en France). . والنص الفرنسي، يقع في 218 صفحة، ويتخذ من عبارة (بدوي في فرنسا) عنوانًا فرعيًا بالغ الدلالة، فيما تمتد فصوله من الطفولة والتعليم في سيئون إلى سنوات الدراسة في بوردو، وتنتهي عند مرحلة الليسانس والماجستير.

ولعل أجمل ما في هذا المشروع أن صاحبه لم يدخل إلى سيرته من باب التباهي بالإنجاز، وإنما دخل إليها من باب الذاكرة. ففي مقدمته الفرنسية يعترف بأنه ظل سنوات طويلة يعتقد أن الماضي قد دُفن ولن يعود، قبل أن تظل شظايا منه تطفو بين حين وآخر على سطح الذاكرة. وحين شرع في تدوين تلك الشظايا اكتشف المفارقة العجيبة: إن الكتابة التي ظنها استعادة لما بقي من الذاكرة أصبحت وسيلة لاستنقاذ ما كان يظنه قد ضاع منها.

وهنا تكمن، في تقديري، أولى جماليات هذا العمل: إنه لا يكتب الذاكرة، بل يجعل الكتابة نفسها فعلًا لإنتاج الذاكرة واستعادتها. وفي الحقيقة يصعب علينا قراءة أيامي في سيئون وبوردو بمعزل عن المسار النقدي والعلمي لصاحبه. فمسعود عمشوش ليس كاتب سيرة ذاتية عابرًا إلى هذا الفن مصادفة، وإنما هو باحث اشتغل طويلًا على أشكال كتابة الذات، وكرّس لها كتابًا نقديًا بعنوان أشكال كتابة الذات في حضرموت، كما اشتغل على أدب الرحلة وأدب الرسائل والنقد الثقافي المقارن. وتكشف قائمته العلمية عن مسار متصل في دراسة تمثيل الذات والآخر والرحلة والرسالة والسرد.

من هنا تكتسب (أيامي) قيمة إضافية؛ إذ ينتقل الباحث من موقع قارئ كتابة الذات إلى موقع ممارسها. وهذه النقلة ليست بسيطة كما قد يبدو. فالناقد حين يكتب عن السيرة الذاتية يستطيع أن يتخذ مسافة من النص، وأن يضع المفاهيم والتعريفات والأنواع أمامه، أما حين يكتب سيرته هو، فإن المسافة بين الناقد وموضوعه تضيق حتى تكاد تنعدم. يصبح هو المادة والراوي والشاهد، ويصبح عليه أن يواجه ذاته لا بوصفها فكرة نقدية، وإنما بوصفها طفلًا كان يمشي في أزقة القرن، وتلميذًا يتعلم، وشابًا يسافر للمرة الأولى، وغريبًا يجد نفسه في بوردو أمام لغة ومجتمع ونظام جامعي مختلف.

وهذا تحديدًا ما يجعل تجربة مسعود عمشوش التطبيقية جديرة بالتنويه: فهو لم يكتفِ بأن يدرس كيف يكتب الآخرون ذواتهم، وإنما جازف بأن يضع ذاته تحت مجهر الكتابة. والأجمل أنه لا يفعل ذلك بلغة الناقد المتعالية على موضوعها، وإنما يعود إلى ذاته من الداخل، ويترك للطفل والشاب والطالب أن يتكلموا بلغتهم وذاكرتهم وانفعالاتهم.

في القسم الأول من السيرة، لا تبدو سيئون خلفية جغرافية تقع فيها الأحداث، بل تتحول تدريجيًا إلى شخصية سردية لها ملامحها وروائحها وأزقتها ووجوه أهلها وطقوسها اليومية. ويبدأ الكتاب من مدرسة القرن، حيث كان الطفل مسعود، وهو لم يتجاوز الخامسة، يدخل عالم التعليم في ستينيات القرن الماضي. ويستعيد السرد تفاصيل المدرسة الأولى، ومعلمه الأول، وأباه الذي رافقه إلى المدرسة، والبيت الذي احتضن بدايات التعلم.

وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تمنح السيرة قوتها. فالكاتب لا يكتفي بأن يقول: (تعلمت في مدرسة القرن)، وإنما يعيد بناء المشهد من عناصره اليومية: طريق الأب والابن، البيوت والبساتين، المعلم، رسوم الدراسة، الدفتر والقلم، وانتقال المدرسة من مكان إلى آخر.

وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص سرد عمشوش: الاقتصاد في الحكم والإسراف في التفاصيل. فهو لا يشرح لنا طفولته شرحًا نفسيًا طويلًا، بل يترك الأشياء تتحدث عنها. ومن خلال الحكايات الصغيرة نكتشف الطفل الذي كانه: المشاغب أحيانًا، الفضولي دائمًا، المتعلق بالأصدقاء، والمفتون بما يجري حوله.

ومن أجمل ما في هذا الجانب أن الكاتب لا يعيد طفولته بعين الرجل الذي يعرف نهاية الطريق، بل يحاول أن يستعيدها بعين الطفل الذي لم يكن يعرف ماذا ينتظره. ولذلك تأتي بعض الحكايات ساخرة، وبعضها طريفًا، وبعضها محملًا بحنين لا يعلن عن نفسه مباشرة.

وإذا كان المكان في السيرة الذاتية قادرًا على أن يكون مستودعًا للذاكرة، فإن القرن عند مسعود عمشوش هو ذلك المستودع بامتياز.

ومن الشخصيات التي تكتسب حضورًا مؤثرًا في النص شخصية الأب. ولا يظهر الأب بوصفه شخصية أبوية مجردة، بل باعتباره بوابة الطفل إلى المكان وإلى التاريخ العائلي وإلى معنى الانتماء. ففي رحلاته مع أبيه إلى تاربه ووادي بن سلمان، يتجاوز السرد حدود الذكرى الشخصية ليصبح استعادة لطبقات من التاريخ المحلي. فالطفل لا يرى الوادي فقط، وإنما يراه من خلال عين أبيه؛ يرى النخيل والخرائب وآثار العائلة، ويسمع منه قصة البيت الذي وُلد فيه، ثم يكتشف أن المكان الذي يبدو له أطلالًا يحمل في داخله سيرة جيل كامل. ويبلغ هذا الاستحضار ذروته حين يتذكر بكاءه عندما أخبره أبوه أنه ولد في إحدى الغرف التي لم يبق منها إلا أثر.

هنا تصبح السيرة أكثر من حكاية فرد: إنها محاولة لاستعادة ذاكرة الأب من خلال ذاكرة الابن. ولذلك فإن صورة الأب في أيامي ليست مجرد صورة عائلية، بل هي صورة لجيل حضرمي عاش التحولات الكبرى بين القرية والمدينة، وبين الهجرة والاستقرار، وبين التعليم التقليدي والتعليم الحديث.

ومن أذكى اختيارات مسعود عمشوش السردية أنه لا يقطع الصلة بين سيئون وبوردو، بل يجعل الرحلة إلى فرنسا نتيجة طبيعية لمسار بدأ في المدرسة الأولى. فجدول محتويات النص الفرنسي نفسه يكشف عن هندسة سردية واضحة: مدرسة القرن، ثم الأب والمدينة، ثم الأزقة، فالمدرسة المتوسطة والثانوية، ومدرسة النهضة، ثم الاستعداد للسفر، ومطار الغُرفة، وعدن وجيبوتي، وباريس، ثم الوصول إلى بوردو، فاللغة الفرنسية، والمدينة، والرحلات، والدراسة الجامعية، وصولًا إلى الليسانس والماجستير.

وهذه البنية ليست مجرد ترتيب زمني للأحداث؛ إنها في جوهرها بنية تشكل الذات. فالطفل الذي بدأ حياته في مدرسة أهلية في حي القرن يجد نفسه بعد سنوات في فرنسا، طالبًا في جامعة بوردو، يتعلم لغة الآخر ويكتشف عالمًا جديدًا. وبين النقطتين ــ سيئون وبوردو ــ تتشكل الشخصية التي سيعود بها إلى عدن ثم إلى فرنسا مرة أخرى.

ولذلك فإن عنوان الكتاب نفسه شديد الذكاء (أيامي في سيئون وبوردو) فالعطف بين المكانين ليس عطفًا جغرافيًا فحسب، بل هو عطف بين مرحلتين من تكوين الذات: المكان الأول الذي منح الذات جذورها، والمكان الثاني الذي وسّع أفقها.

أما العبارة الفرنسية الفرعية Bédouin en France (بدوي في فرنسا)، فتمنح العنوان طبقة أخرى من الدلالة. إنها عبارة ساخرة في ظاهرها، لكنها عميقة في باطنها؛ فالكاتب الذي جاء من بيئة حضرمية لها خصوصيتها يجد نفسه في فضاء فرنسي حديث، فيتحول الاختلاف الثقافي إلى مادة للسرد والملاحظة واكتشاف الذات والآخر.

النص الفرنسي: ميزة لا ينبغي أن تضيع على القارئ العربي

وإذا كان القارئ العربي يستطيع أن يتابع النسخة العربية بسهولة، فإن النص الفرنسي يظل، في تقديري، الجزء الذي يحتاج إلى وقفة خاصة؛ لأنه يقدم تجربة لا يستطيع معظم القراء العرب تذوقها كاملة بسبب حاجز اللغة. فالفرنسية هنا ليست مجرد وعاء لنقل الحكاية، وإنما هي جزء من موضوع الحكاية نفسها.

إن مسعود عمشوش يكتب عن شاب حضرمي يدخل العالم الفرنسي، لكنه يكتب ذلك بالفرنسية. وهذه المفارقة ذات قيمة أدبية وثقافية كبيرة. فاللغة التي كان الشاب في بداية رحلته يحاول أن يتعلمها كي يستطيع أن يعيش ويدرس في فرنسا، تصبح بعد عقود اللغة التي يستعيد بها تلك التجربة.

بمعنى آخر: اللغة الفرنسية التي كانت في البداية موضوعًا للتعلم أصبحت لاحقًا أداة لاستعادة الذاكرة. وهذا ما يعطي النص الفرنسي بعدًا يتجاوز السيرة الشخصية. إنه يقدم، بصورة غير مباشرة، تاريخًا صغيرًا للقاء حضرمي ــ فرنسي في النصف الثاني من القرن العشرين.

ومن هنا تبرز أهمية أن يبدأ مسعود عمشوش سيرته بالفرنسية ثم يعيدها بالعربية؛ فهناك شيء في التجربة لا يكتمل إلا باللغتين. العربية تستعيد الجذور والحميمية والذاكرة المحلية، بينما الفرنسية تستعيد فضاء الغربة والجامعة والاحتكاك بالآخر.

واللافت في النص الفرنسي أنه لا يتعامل مع فرنسا بوصفها صورة سياحية. فبوردو تظهر من خلال تفاصيل الحياة اليومية: السكن، الجامعة، الدروس، اللغة، الرحلات التي نظمها CROUS، الأصدقاء، الشوارع، المقاهي، الكتب، والمصطلحات التعليمية الفرنسية. وتكشف فصول مثل Premier niveau de français وDécouverte de Bordeaux وLes excursions du CROUS ثم فصول الـDEUG والليسانس والماجستير عن أن المؤلف أراد تسجيل يوميات التكوين العلمي والثقافي بقدر ما أراد تسجيل حياته الخاصة.

إنه لا يقول لنا فقط: "ذهبت إلى فرنسا"، وإنما يجعلنا نعيش معه كيف كان الذهاب إلى فرنسا. وهذا فرق كبير بين السيرة التي تسجل الوقائع والسيرة التي تحول الوقائع إلى أدب.

قد يبدو لأول وهلة أن كثرة الأسماء والأماكن والتواريخ والتفاصيل الصغيرة يمكن أن تثقل السرد، لكن العكس هو الذي يحدث في أيامي. فهذه التفاصيل هي التي تمنح النص صدقيته وتجعله أقرب إلى الذاكرة الحية.

نجد أسماء المعلمين والأصدقاء والجيران، وأسماء المحلات، وأسماء الأحياء، وتفاصيل المدرسة، والهجرة إلى السعودية، وعودة بعض الأسر من شرق أفريقيا وإندونيسيا، وطقوس رمضان، ومباريات كرة القدم، والرسائل التي كانت بعض النساء يطلبن من الصبي أن يكتبها إلى أزواجهن المهاجرين. وفي مثل هذه التفاصيل يتجاوز المؤلف حدود (أنا) السيرية ليكتب تاريخًا اجتماعيًا مصغرًا لسيئون في الستينيات والسبعينيات. فحين يتحدث عن الهجرة، لا يتحدث عنها بوصفها حدثًا شخصيًا، وإنما يرينا أثرها في المدرسة، وفي تكوين الصداقات، وفي غياب الأطفال، وفي عودة أسر من المهجر، وفي تغير النسيج الاجتماعي للحي. وحين يتحدث عن متجر صغير، فإنه يحوله إلى مركز اجتماعي يتجمع فيه أهل الحي، وحين يتحدث عن صندوق البريد فإنه يجعله شاهدًا على زمن الهجرة والرسائل وانتظار الأخبار.

وهنا تبلغ السيرة إحدى أجمل وظائفها: أن تحفظ ما لا تحفظه كتب التاريخ الكبرى. إن المؤرخ قد يسجل حركة الهجرة الحضرمية إلى السعودية وشرق أفريقيا، لكن السيرة تمنحنا وجه تلك الهجرة: طفل فقد أصدقاءه، ونساء ينتظرن رسائل أزواجهن، وأسر تعود، وأحياء تتغير، وصندوق بريد يحمل في داخله شوق الغائبين.

ومن السمات التي تستحق التوقف عندها كذلك أن مسعود عمشوش لا يقدم طفولته في صورة مثالية مصقولة. إنه يترك لنفسه الحق في أن يكون طفلًا عاديًا، يخطئ ويعبث ويتورط ويكذب كذبات صغيرة ويبحث عن المتعة. تلك النبرة الساخرة، التي تظهر في بعض حكايات المدرسة، وفي مغامرات بيع المثلجات، وفي علاقته بزملائه، وفي تفاصيل الحياة اليومية، تمنح النص قدرًا كبيرًا من العفوية. وهي عفوية مهمة جدًا في كتابة الذات؛ لأن السيرة التي تكتبها الأنا عن نفسها معرضة دائمًا لخطر تحويل صاحبها إلى بطل كامل. لكن عمشوش يتجنب هذا الفخ حين يسمح لطفله القديم أن يظهر بكل ما فيه من شقاوة وفضول وبراءة. إن الكاتب هنا لا يحاول أن يجمّل طفولته، وإنما يستعيدها. والاستعادة، في الأدب، أصدق من التجميل.

ولو أردنا أن نلخص القيمة العميقة لهذه السيرة في عبارة واحدة، لقلنا إنها ليست سيرة (إنجازات) بقدر ما هي سيرة تحول. فالسيرة الوظيفية للدكتور عمشوش تقدم لنا لاحقًا صورة أكاديمية حافلة: أستاذ للأدب المقارن والدراسات الثقافية، تولى عددًا من المسؤوليات في جامعة عدن، منها إدارة معهد اللغات الأجنبية، ورئاسة قسمي الفرنسية والعربية، والنيابة الأكاديمية لكلية الآداب، وإدارة مركز عبدالله فاضل للترجمة والدراسات الإنجليزية، فضلًا عن عضويته في مؤسسات أدبية وهيئات تحرير ومشاركته في الإشراف على الرسائل العلمية وتحكيم الجوائز.

أما تكوينه العلمي، فيمتد من الدبلوم العالي في الدراسات الفرنسية بجامعة بوردو إلى الـDEUG، فالليسانس، فالماجستير في الآداب الحديثة سنة 1981، ثم دبلوم الدراسات المعمقة في الأدب المقارن بجامعة روان سنة 1985، وصولًا إلى الدكتوراه في الأدب العام والمقارن من السوربون سنة 1988.

لكن هذه السيرة المهنية اللاحقة لا تظهر في أيامي بوصفها نتيجة جاهزة؛ بل نشاهد جذورها وهي تنبت أمام أعيننا. وهذا أحد أسرار جمال الكتاب: إنه يجعل الإنجاز يبدو ثمرة طريق، لا معجزة.

 وهناك ثمة مفارقة جميلة في تجربة هذا الكتاب. فالدكتور الذي أمضى سنوات طويلة في دراسة أدب الرحلة، وتمثيل الآخر، والنقد الثقافي، وكتابة الذات، يعود في أيامي إلى أكثر نقطة ذاتية ممكنة: طفولته.

لكن هذا الطفل لا يبقى منفصلًا عن الباحث الذي سيأتي بعده. فالاهتمام بالمكان، وبالآخر، وباللغة، وبالرحلة، وبالتفاصيل الثقافية، كلها اهتمامات ستظهر لاحقًا في مشروعه العلمي والأدبي. فمن يقرأ عناوين كتبه يجد خيطًا ممتدًا من عدن في كتابات الرحالة الفرنسيين، وحضرموت في كتابات فريا ستارك، والحضارم في الأرخبيل الهندي، إلى أدب الرحلة في حضرموت، ودراسات في النقد الثقافي المقارن، وأشكال كتابة الذات في حضرموت. كما تتسع تجربته لاحقًا إلى الرواية في عسكول ونورية، وإلى دراسة أساليب السرد.

وبذلك يبدو أيامي، من زاوية أخرى، كأنه المفتاح الشخصي لمشروع عمشوش كله. فالذي سيكتب لاحقًا عن الرحالة والآخرين كان طفلًا يتعلم النظر إلى العالم. والذي سيدرس تمثيل الآخر كان يومًا ما شابًا حضرميًا ينظر إلى فرنسا بعينين مشدودتين بين الانتماء والاكتشاف. والذي سيكتب عن كتابة الذات كان عليه، في لحظة ما، أن يجرب بنفسه صعوبة أن يقول (أنا).

ولعل القيمة الأهم في الكتاب أن الأنا فيه لا تنغلق على نفسها. إن عمشوش يكتب عن نفسه، لكنه يكتب معه عن أبيه وأمه وإخوته ومعلميه وأصدقائه وجيرانه وأبناء حيه، وعن سيئون التي كانت تتغير، وعن حضرموت التي كانت تعيش موجات الهجرة والعودة، وعن جيل من الطلاب الذين بدأت أمامهم أبواب العالم تنفتح بصورة لم تكن متاحة للأجيال السابقة.

ومن هنا يمكن أن نقرأ أيامي باعتباره وثيقة أدبية عن جيل حضرمي انتقل من محيط محلي شديد الخصوصية إلى فضاء عالمي.

فالرحلة إلى بوردو لم تكن مجرد انتقال جغرافي من حضرموت إلى فرنسا؛ لقد كانت انتقالًا من عالم إلى عالم، ومن لغة إلى لغة، ومن نظام تعليمي إلى آخر، ومن ثقافة إلى ثقافة. غير أن اللافت أن الكاتب لم يترك سيئون وراءه حين ذهب إلى فرنسا. لقد حملها معه في ذاكرته، وفي لغته، وفي نظرته إلى الناس والأشياء.

ولهذا تبدو بوردو في الكتاب أحيانًا كأنها تُرى من داخل سيئون، كما تبدو سيئون في بعض المواضع كأنها تُستعاد من مسافة بوردو. وهذه المسافة هي التي صنعت أدب الكتاب.

 وحين نصل إلى نهاية هذا الجزء من أيامي، نشعر بشيء من الأسف؛ لأن الحكاية تبدو وكأنها توقفت عند اللحظة التي بدأت فيها تتسع بصورة أكبر. فالمقدمة الفرنسية نفسها لا تغلق الباب، بل تفتحه بوضوح على أجزاء أخرى. فقد أعلن المؤلف أمله في أن ينشر لاحقًا سنوات عمله في كلية التربية العليا بجامعة عدن، التي عُيّن فيها مساعدًا سنة 1981، ثم سنوات إعداد الدكتوراه في السوربون.

وهنا أتوجه إلى الدكتور مسعود عمشوش، لا بصفتي قارئًا يريد المزيد من الحكايات فحسب، وإنما بوصفه واحدًا من الذين خبروا تقنيات كتابة الذات نظريًا وتطبيقيًا: لقد قطعتَ في الجزء الأول مسافة شاسعة من سيئون إلى بوردو، ومن الطفل الذي كان يخطو خطواته الأولى في مدرسة القرن إلى الطالب الذي أنهى الماجستير في الآداب الحديثة بجامعة بوردو سنة 1981. لكن ثمة فصلًا بالغ الأهمية لا يزال ينتظر القلم فصل ما بعد العودة الأولى من فرنسا سنة 1981.

لقد عاد مسعود عمشوش إلى عدن سنة 1981، وتولى إدارة معهد اللغات الأجنبية بجامعة عدن بين 1981 و1984، ثم عاد إلى فرنسا سنة 1984 لمواصلة تأهيله الأكاديمي، فالتحق بالدراسات المعمقة في الأدب المقارن بجامعة روان سنة 1985، ثم واصل إلى السوربون، حيث حصل على الدكتوراه في الأدب العام والمقارن سنة 1988.

وهذه السنوات ليست هامشًا في سيرته؛ إنها، في تقديري، الفصل الأكثر إثارة في قصة تكوّن الباحث والناقد والمترجم والأستاذ والكاتب.

نحن نريد أن نعرف كيف بدت له عدن بعد بوردو؟ وكيف دخل الجامعة مدرسًا وهو لم يكد تغادر مقاعد الدراسة؟ وكيف تحول من الطالب إلى الأستاذ؟ وكيف كانت العودة الثانية إلى فرنسا؟ وكيف عاش روان والسوربون؟ ومن كانوا أساتذته وأصدقاؤه؟ وكيف كان حضور الحضرمي والعربي في فضاء أكاديمي فرنسي شديد الاختلاف؟ وما الذي تغير في نظرته إلى فرنسا حين عدت إليها للمرة الثانية، بعد أن كان قد دخلتها أول مرة شابًا يتعلم اللغة؟

ثم ماذا حدث حين بدأ الدكتوراه؟ إن القارئ الذي تعرف إلى الطفل في القرن، والشاب الذي ارتبك أمام الفرنسية، والطالب الذي اكتشف بوردو، ينتظر الآن أن يرى كيف ولد الناقد من كل ذلك.

وأخيرًا... أن تكتب الذات كي لا يضيع الزمن ليس أجمل في أيامي في سيئون وبوردو من ذلك الإحساس الذي يرافق القارئ بأن المؤلف لا يستعيد الماضي ليهرب إليه، وإنما يستعيده لكي يفهم الطريق الذي قطعه.

وهنا يعود بنا الكتاب إلى فكرته الأولى: الماضي الذي يبدو مدفونًا قد يكون في الحقيقة مستقرًا في أعماق الذاكرة، ينتظر فقط أن تأتي الكتابة لتوقظه. لقد أحسن مسعود عمشوش حين اختار أن يبدأ سيرته من الطفل لا من الأستاذ، ومن المدرسة الأولى لا من الجامعة، ومن أزقة القرن لا من مكاتب الجامعة، ومن الأب والحي والأصدقاء لا من الشهادات والمناصب. لقد جعلنا نرى الإنسان قبل أن نرى الأستاذ. وهذا هو سر قيمة الكتاب. فالسيرة الذاتية الحقيقية لا تبدأ حين يصبح الإنسان مشهورًا، وإنما تبدأ حين يسأل نفسه: من أين جئت؟ وقد أجاب عمشوش عن هذا السؤال في جزئه الأول بإيقاع هادئ، وبذاكرة يقظة، وبعين تعرف كيف تلتقط التفاصيل، وبحس ساخر يخفف من ثقل الزمن، وبوعي نقدي يجعل من التجربة الشخصية مادة لقراءة المجتمع والثقافة والتحول.

ومن هنا فإن أيامي في سيئون وبوردو ليست مجرد كتاب عن أيام مضت؛ إنها كتاب عن كيفية تحول الأيام إلى ذاكرة، والذاكرة إلى كتابة، والكتابة إلى هوية.