جسور من صمت يُفهم.. كيف قادت مؤسسة (رموز) حراكاً إنسانياً لدمج الصم في قطاعي الصحة والأمن بعدن؟
في زاوية قاعة التدريب، حيث يسود الصمت وتتكلم الأيدي، لم تكن الأجواء مجرد ورشة عمل أُغلقت ستائرها في السادس من أغسطس 2026م؛ بل كانت أشبه بكسرٍ لجدار صلبٍ ظلّ لسنوات يفصل بين صرخات مكتومة لمرضى ومستغيثين من فئة الصم، وبين يد تمتد لإنقاذهم دون أن تفهم لغتهم.
عدن (الأول) إعلام مؤسسة رموز::
هنا في عدن، وفي تجربة قادتها مؤسسة رموز التنموية للصم وذوي الاحتياجات الخاصة، بشراكة استراتيجية مع منتدى التنمية السياسية ومؤسسة برجهوف الألمانية بتمويل هولندي كريم، التقينا بقلبين نبضا بالإنسانية خلف الزي الرسمي والسترة الطبية: العميد/ نديه حسن عبيد (ممثلة القطاع الأمني)، والأستاذ / أسامة عبدالمنعم (ممثل مجمع حاشد الصحي)، لنغوص معهما في لحظات المكاشفة والمشاعر الإنسانية المسكوبة بين حرارة الواجب ولغة الإشارة.
المحطة الأولى: عندما يُصبح الصمت عائقاً أمام العدالة
(مع العميد/ نديه حسن عبيد – ممثلة القطاع الأمني)
* سيادة العميد، أهلاً بكِ. دعيني أبدأ معكِ من الميدان.. بعيداً عن الرتب الرسمية، ما هي التنهيدة أو اللحظة الإنسانية المعقدة التي عشتِها سابقاً وجعلتكِ تصممين على خوض هذه الدورة؟
- أهلاً بك. أتساءل أحياناً: كيف لعينٍ ترى مظلوماً ولا تستطيع أذنه سماعه؟ قبل هذه المبادرة، كان يمر بنا في القسم شخصٌ أصمّ يحمل في عينيه خوفاً ورعباً هائلين، يحاول بإشارات عشوائية أن يشرح جريمة وقعت عليه أو بلاغاً عاجلاً، ونحن نقف مكتوفي الأيدي! غياب المترجم المتخصص لم يكن مجرد عائق إداري، بل كان شعوراً بقسوة العجز، وكأننا نُحرمه من حق الحماية والأمان لمجرد أنه لا يتكلم لغتنا. تلك النظرات بالذات هي ما دفعتني للمشاركة بكل شغف.
*خمسة أيام فقط (من 2 إلى 6 أغسطس).. أليست فترة قصيرة جداً لتفكيك عجزٍ تراكم لسنوات في التواصل الميداني؟
- لو كانت مجرد محاضرة نظرية لقلتُ لك نعم غير كافية، لكن السحر يكمن في التجربة المباشرة. المنهجية لم تكن حفظ مصطلحات، بل وُضعنا وجه لوجه أمام شباب من الصم. لمستُ نظرة التوجس في أعينهم أول يوم، ثم رأيت ابتسامتهم تتسع وهم يصححون لنا حركة الأصابع بكل حب. تلك المواجهة العملية أزاحت الرهبة وكسرت الحاجز النفسي، حتى غدونا في اليوم الخامس نتبادل بلاغات أمنية مفترضة بلغة الإشارة بثقة ودقة عالية.
* بعد هذه النقلة، ما هي الصورة الذهنية التي ترغبين في ترسيخها لقطاع الأمن بعدن؟
- حلمي الأكبر ألا يشعر أي شخص من الصم أنه ينزل إلى مراكز الشرطة كـ "غريب". تطلعاتي تذهب نحو تعميم هذه التجربة الرائدة لتغطي كافة أقسام الشرطة والجهات الأمنية في عدن وبقية المحافظات. من حق هؤلاء الأفراد أن يجدوا بزة أمنية تفهم لغة أيديهم وتضمن لهم العدالة التامة دون واسطة أو ترجمة مشوهة.
المحطة الثانية: نبضٌ بلا كلمات.. حين تصبح الإشارة دواءً
(مع المهندس/ أسامة عبدالمنعم – ممثل مجمع حاشد الصحي)
* أستاذ أسامة، أهلاً بك. في الممرات الضيقة للمجمع الصحي، أين تكمن الخطورة الفاصلة بين فهم ألم المريض الصم أو الخطأ فيه؟
- أهلاً وسهلاً. الخطورة تكمن في أن "الخطأ في التشخيص قد يكلف حياة". سابقاً، كنا نعتمد على الاجتهادات الارتجالية.. لغة جسد مبسطة، إشارات عامية، ومحاولات لتخمين مكان الألم. كان المريض الأصم يأتي متألماً، ونحن نجتهد لوصف الدواء، لكن الحيرة والشك ظلا يرافقان عينيه: "هل فهموا شكواي حقيقة؟". ذلك البطء وسوء الفهم كان يؤرقنا ككوادر صحية تتطلع لتقديم رعاية آمنة وسريعة.
* كيف تصف لي اللحظة الفارقة أثناء التدريب التي شعرت فيها أنك امتلكت مفتاحاً جديداً لإنقاذ أرواحهم؟
- كانت اللحظة التي تعلمت فيها شرح التاريخ المرضي وتحديد جرعات الدواء بالإشارة. بفضل هذه المبادرة وشراكتها الدولية المميزة، انتقلتُ من مرحلة التخمين إلى اليقين. اليوم، عندما يدخل مريض أصم إلى مجمع حاشد الصحي، أستطيع استقباله بابتسامة وإشارة تفيد: "أنا أفهمك، ماذا تؤلمك؟"، أستمع لأعراضه بأصابعه، وأشرح له طبيعة العلاج بنفسي دون أن يحتاج لمرافق يُترجم نيابة عنه، مما يعيد له كرامته واستقلاليته الكاملة.
* في ختام هذا الحوار المفعم بالأمل، ما هي الرسالة التي ترغب في إرسالها للجهات التي جعلت هذا الجسر ممكناً؟
- رسالتي هي الامتنان العميق لمؤسسة رموز التنموية، ولمنتدى التنمية السياسية ومؤسسة برجهوف الألمانية، وللمملكة الهولندية على هذا الاستثمار الإنساني النبيل. إن تدريب رجل أمن أو كادر صحي على لغة الإشارة ليس مجرد دورة تعليمية، بل هو إعادة حياة وشريان أمل لشركائنا في الوطن من الصم.
تثبت تجربة عدن أن دمج منظمات المجتمع المدني مع مؤسسات الدولة والدعم الدولي ليس مجرد مشاريع تنموية تُقيد في التقارير، بل هو غرس لروح التعاطف والوصول الحر للخدمات الأساسية. لقد غادر المشاركون التدريب، لكنهم تركوا خلفهم أيدياً تعلمت كيف تنطق بالحق والرعاية.. جسوراً صامتة، لكنها أدفأ وأصدق من كل الكلام.



