لماذا غابت مصر عن اتفاقية (مكة) للدفاع المشترك بين ( السعودية وتركيا وباكستان)؟!
تحليل جيوسياسي اولي عن غياب مصر قلب العروبة عن اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي ضم السعودية و تركيا وباكستان.
كتب (الأول) أ.د عبدالوهاب العوج:
أولاً: الإطار العام للاتفاقية ودلالاتها الإقليمية
مثلّت اتفاقية مكة للدفاع المشترك، الموقعة في 7 أغسطس 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان، منعطفاً في هندسة الأمن الإقليمي، إذ تجاوزت كونها مجرد تفاهمات عسكرية ثنائية إلى تأسيس كتلة دفاع جماعي معلنة، تنص على أن "أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع"، وجاء توقيعها في سياق تصعيد إيراني مباشر أو عبر اذرعها في المنطقة كالذراع الحوثي و تصعيده المتواتر ضد السعودية، وتهديداته للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وكذلك الاعتداءات إلايرانية عبر اذرعها في العراق، مما يجعل اليمن والعراق مسرحا مرشحاً ليكون أول اختبار عملي لمصداقية هذا التحالف.
لكن اللافت في المعادلة كان الغياب المصري، رغم كون مصر قوة عسكرية كبرى ودولة محورية في النظام الإقليمي. هذا الغياب لم يكن اعتباطياً، بل يعكس تحولات استراتيجية عميقة، وتقييماً دقيقاً للتكاليف والمكاسب، وتصوراً مغايراً لأولويات الأمن الوطني.
ثانياً: الأسباب المباشرة وغير المباشرة لغياب مصر
1. اختلاف الأولويات الجيوسياسية
تمتد المصالح الأمنية المصرية في نطاق جغرافي أوسع يمتد من البحر المتوسط وليبيا غرباً، إلى السودان وسد النهضة جنوباً، مروراً بقطاع غزة شرقاً. الانخراط في تحالف دفاعي موجّه بشكل رئيسي نحو مسرح العمليات الخليجي بما فيها تعقيدات المشهد اليمني وةالبحر الأحمر والفصائل العراقية الموالية لايران، مما سيعني تحويل جزء كبير من القدرات والانتباه الوطني إلى جبهة ليست من صلب الأولويات في الوقت الحالي على اقل تقدير، على حساب جبهات أكثر إلحاحاً وأهمية.
2. رفض نموذج "الالتزام التلقائي"
عقيدتها الدفاعية تقوم على الردع الوطني والشراكات الثنائية المرنة، وليس على التزامات جماعية قد تُجبر القاهرة على خوض حروب ليست من اختيارها و هذا يتقاطع مع قيود دستورية صارمة تمنع إرسال قوات في مهمات قتالية خارج البلاد دون موافقة مجلس الدفاع الوطني ومجلس النواب بأغلبية الثلثين، مما يجعل أي التزام تلقائي مستحيلاً عملياً.
3. تجنب تعقيد التوازنات الداخلية للتحالف
وجود أربعة أقطاب (بإضافة مصر) في تحالف دفاعي واحد كان سيخلق معضلة القيادة والثقل النسبي، وقد يحوّل التحالف من أداة للتعاون إلى ساحة تنافس ناعم بين الرياض (الممول الرئيسي)، وأنقرة (القوة النارية والنفوذ التقني)، وإسلام آباد (القوة النووية)، والقاهرة (الوزن التاريخي والعسكري). تفضيل مصر البقاء خارج المنظومة يحافظ على دورها كـ"شريك متوازن" وليس "عضو تابع".
4. البعد الاقتصادي
الاتفاقية تفرض أعباء مالية ضخمة لتكامل أنظمة الدفاع الجوي وتمويل العمليات البحرية المشتركة في ظل الضغوط التي تمر بها مصر على صعيد احتياطي النقد الأجنبي وإعادة هيكلة الديون وغيرها، كانت العضوية الفاعلة كلفة غير مبررة مقارنة بنموذج بديل تقدّمه القاهرة: تقديم خدمات أمنية بحرية (كحماية قناة السويس وتأمين الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب) مقابل رسوم، دون التزامات جماعية غير مدفوعة الأجر.
ثالثاً: التحليل الجيوسياسي الموسع
المستوى الأول: إعادة تعريف "الإقليم الأمني"
الاتفاقية ترسم نطاقاً أمنياً مركزه مضيق هرمز و الخليج العربي و البحر الأحمر و المحيط الهندي، بينما تنظر مصر لنفسها كدولة جسر بين ثلاث قارات، تمتد مصالحها من المتوسط إلى العمق الأفريقي. انضمامها كان سيجبرها على التركيز جنوباً، مما يُضعف حضورها في جبهاتها الغربية والجنوبية (ليبيا، السودان، سد النهضة) التي تمثل أولويات وجودية.
المستوى الثاني: لعبة الأقطاب داخل التحالف وكسر الأحادية
الاتفاقية تعكس رغبة سعودية في تنويع شراكاتها الأمنية واستقلاليتها عن المظلة الأمريكية (التي اظهرت تذبذبا في تعاملها مع ايران و مصالح دول الخليج العربي)، لكنها في الوقت نفسه تخلق تكتلاً جديداً يهدد بتهميش الدور المصري التقليدي كـ"حارس البوابة العربية"، و عليه فإن القاهرة اختارت الرد بـ"التكامل المتوازي" لا "الاندماج الكامل": الاستمرار في آلية التشاور الرباعية (مصر، السعودية، الأردن، الإمارات)، وتعزيز التعاون الثنائي مع الرياض عبر مناورات "حماة الوطن"، مع الحفاظ على مسافة آمنة من التزامات التحالف الجماعي.
المستوى الثالث: الموقف الإيراني ونقاط ضعف التحالف من وجهة نظر طهران
ردت طهران بسرعة، واصفة الاتفاقية بأنها "اتفاق على الورق" لا قيمة له، و توضح مدى انزعاج طهران من توقيع هذه الاتفاقية ومستندة في روايتها إلى ثلاث نقاط ضعف كما تقول:
· غياب آليات التنفيذ حتى الان بشكل معلن: حيث لم تعلن او تحدد الاتفاقية بعد قواعد الاشتباك أو طبيعة الاستجابة العسكرية، مما يمنحها غموضاً يضعف الردع.
· نفي البعد النووي: رغم امتلاك باكستان السلاح النووي، إلا أن مسؤولين باكستانيين أكدوا أن هذا الردع موجّه نحو الهند وليس "على الطاولة" لحماية حلفاء إقليميين.
· البعد الطائفي الضمني: على الرغم من نفي السعودية، إلا أن تحالف ثلاث دول ذات أغلبية سنية في مواجهة تهديدات مرتبطة بإيران وذراعها الحوثي او الفصائل العراقية المرتبطة بها مما يمنح الاتفاقية نكهة طائفية في الخطاب الإيراني، و مما يسهّل على طهران تقويض شرعيتها إقليمياً.
هذه النقاط تفسر لماذا شعرت إيران بقدرتها على التقليل من شأن الاتفاقية، رغم قلقها الاستراتيجي من تشكل تحالف إقليمي منافس.
المستوى الرابع: تداعيات غياب مصر على النظام الإقليمي
غياب القاهرة يُعيد إنتاج ثنائية قديمة بصيغة جديدة: "الهلال التركي-الباكستاني" مقابل "محور مصر-الخليج". لكن هذه المرة، الرياض تفضل الانحياز جزئياً للثنائي الأول، مما يفتح الباب أمام سيناريوهين:
· سيناريو التنافس: إذا شعرت مصر بالتهميش، قد تعزز تحالفاتها البديلة مع الإمارات واليونان، وربما روسيا في المتوسط، مما يخلق قطبيْن متنافسيْن في المنطقة.
· سيناريو التكامل المتوازي (الأكثر ترجيحاً): تظل مصر "حليفاً مستقلاً" يُنسق مع التحالف في ملفات محددة (كأمن البحر الأحمر) عبر قنوات ثنائية، دون انتساب رسمي، و هذا الامر يمنحها ميزة المرونة، ويبقيها وسيطاً محتملاً بين الأطراف المتنازعة.
رابعاً: مصر بين التحدي والفرصة
التحديات التي تواجهها القاهرة:
· فقدان جزء من ثقلها الإقليمي: تحالف ثلاثي بهذا الحجم يقلص هامش المناورة المصري في الملفات الخليجية، وقد يدفع الرياض لتقليل الاعتماد على الدعم المصري في ملفات مثل اليمن أو البحر الأحمر و مضيق باب المندب.
· تهديد المصالح الاقتصادية: إذا أثبت التحالف فعاليته في تأمين الملاحة، قد تتراجع قيمة الممر المصري (قناة السويس) كبديل استراتيجي للطريق حول أفريقيا، مما يمس عصب الاقتصاد المصري.
· الانكشاف في البحر الأحمر: غياب مصر عن التنسيق الدفاعي الجماعي قد يجعلها أكثر عرضة لأي تهديدات بحرية سواء من الحوثيين أو إيران نفسها او الفصائل العراقية الموالية لها كما يقال في استهداف دمياط الذي لم تتبنه اي جهة حتى الان، و خاصة مع تزايد الهجمات على سفن الشحن المرتبطة بمصالح السعودية.
الفرص المتاحة:
· اللعب كـ"صانع توازن": يمكن مصر استغلال علاقاتها المتوازنة مع جميع الأطراف (الخليج العربي، إيران، تركيا وباكستان) لتقديم نفسها كوسيط وضامن للاستقرار، بدلاً من أن تكون طرفاً في الصراع.
· الاستثمار في دور أفريقي-متوسطي: التركيز على أمن المتوسط والعمق الأفريقي يمنح مصر دوراً لا يمكن لأي من أطراف الاتفاقية تعويضه، مما يُبقيها شريكاً لا غنى عنه للرياض في الملفات غير العسكرية.
· تطوير نموذج "الخدمات الأمنية": يمكن للقاهرة بناء نموذج اقتصادي أمني يعتمد على تقديم خدمات حماية الملاحة في باب المندب وقناة السويس مقابل رسوم، مما يحقق عوائد مالية دون التزامات جماعية.
خامساً: الغياب ليس قرار عسكري
غياب مصر عن اتفاقية مكة ليس قراراً عسكرياً بقدر ما هو قرار جيوسياسي-دستوري-اقتصادي متكامل، و القاهرة اختارت أن يكون حضورها في الإقليم من خلال التنسيق الاستراتيجي المرن بدلاً من الالتزام الدفاعي الجامد، للحفاظ على استقلالية القرار، وتجنب الانجراف إلى صراعات لا تخدم أولوياتها، مع الاحتفاظ بقدرة على المناورة بين الأقطاب المتصارعة.
لكن هذا الغياب يحمل في طياته رسالة مهمة: هل تتراجع قدرة مصر على فرض رؤيتها الأمنية على الإقليم، وتحولها من "حامية العرب" إلى "شريك يُختار بحسب سياسة التوازنات". النجاح المصري في المرحلة المقبلة سيتوقف على قدرتها على تحويل هذا الغياب إلى ميزة تنافسية، وإثبات أنها "الشريك الأكثر شمولية" وإن لم تكن الأكثر تسليحاً، عبر استثمار موقعها الجغرافي الفريد، وتوازن علاقاتها، ودورها الوسيط التاريخي في معادلات المنطقة المعقدة.
خلاصة أخيرة للقارئ: الاتفاقية تعيد رسم خرائط التحالفات، ومصر تختار طريقاً مختلفاً، و هذا الامر ليس ضعفاً، بل هو قراءة با ارادة قوية لحساب متوازن للتكاليف و المكاسب المتوقعة في منطقة لا تحتمل المغامرات الاستراتيجية.



