عبدالله باذيب نموذجاً.. حين كان السياسي يحمل مشروعاً والمبادئ تسبق المناصب

في ذكرى رحيل المفكر والقائد عبدالله باذيب، لا تستوقفني فقط سيرة رمز عظيم رحل قبل خمسين عاماً، بقدر ما تستوقفني الفكرة التي تركها وراءه: هل كان السياسي في اليمن يوماً يحمل مشروعاً يتقدم به على المنصب، ام أن المنصب كان هو المشروع؟

كان الفقيد عبدالله عبدالرزاق باذيب واحداً من ابرز المثقفين والسياسيين والصحفيين في تاريخ الحركة الوطنية اليمنية الحديثة. ولد في الشحر عام 1931، وبدأ الكتابة والعمل الصحفي في سن مبكرة، فأصدر، وهو في الثامنة عشرة، مجلة "المستقبل"، قبل أن يخوض تجربة صحفية وسياسية طويلة جعلت من القلم بالنسبة اليه وسيلة للنضال وصناعة الوعي، لا مجرد مهنة.

لكن القيمة الاهم في تجربة باذيب، في تقديري، لم تكن في انتمائه الفكري الى اليسار والاشتراكية فحسب، وإنما في وضوح المشروع وثبات الموقف. ففي عام 1961 أسس "الاتحاد الشعبي الديمقراطي"، ورفع شعاراً ما يزال حاضراً في تاريخ السياسة اليمنية: "نحو يمن حر ديمقراطي موحد". وكان الميثاق الوطني للتنظيم يؤكد التحرر الوطني والوحدة والديمقراطية، ويضع تصوراً سياسياً مرتبطاً بواقع اليمن وظروفه.

وفي زمن كانت فيه عدن والجنوب يعيشان تحت الاستعمار البريطاني، لم يتعامل باذيب مع القضية الوطنية باعتبارها سلعة سياسية قابلة لإعادة التعريف وفق موازين القوة، بل خاض معاركه الفكرية والسياسية دفاعاً عن الهوية اليمنية، وساند ثورة 26 سبتمبر، مؤكداً أن تحرير الشمال والجنوب قضيتان مترابطتان في مشروع وطني واحد.

ولم يكن باذيب من اصحاب الشعارات الفضفاضة؛ فقد شارك في العمل السياسي والتنظيمي، وتولى لاحقاً مسؤوليات حكومية، منها وزارة التربية والتعليم، وأسهم في معالجة قضايا التعليم الأهلي وتوسيع الإشراف الحكومي عليه، و وزارة الثقافة وأسس البنية التحتية للمسرح والسينما ومجلة الثقافة واهتم بالمتاحف والاثار. 

كما لعب دوراً في الحوار الذي جمع فصائل العمل السياسي والوطني المختلفة، وانتهى الى اتفاق 5 فبراير 1975، الذي وضع أسس توحيد تلك الفصائل انطلاقاً لصنع مستقبل الجمهورية الوليدة بارادة سياسية موحده.

وهنا تكمن المفارقة التي تجعل استحضار باذيب اليوم اكثر من مجرد مناسبة لتذكر رجل عظيم من الماضي. فقد كان ابن زمنه، وله افكاره ومواقفه، لكنه كان يحمل شيئاً نفتقده بشدة في ايامنا هذه وهو: ايمانه بمشروع سياسي واضح، واستعداده لدفع ثمن الموقف الذي يؤمن به.

ولذلك، عند مقارنة الماضي بما تشهده بلادنا اليوم، تصبح سيرته سؤالاً حاضراً اكثر منها ذكرى من الماضي. فالمبادئ والثوابت لا يفترض أن تتغير بتغير القيادات؛ الرجال والنساء من القيادات هم الذين يتغيرون بحسب متطلبات المرحلة، بينما تبقى الدولة والوطن فوق الجميع.

اما حين يصبح المبدأ نفسه متغيراً، والموقف قابلاً للبيع والشراء، والثابت قابلاً للمساومة، فإن المشكلة لا تعود في الاشخاص وحدهم، وإنما في غياب البوصلة الوطنية التي يفترض أن تحكمهم.

وفي هذا السياق، فإن استحضار باذيب اليوم ليس تمجيداً للماضي، ولا محاولة لاستنساخ تجربة سياسية انتهى زمنها وإن ظلت شاخصة امامنا، بل تذكير بأن السياسة بلا مبادئ تتحول الى وظيفة، والموقف بلا ثوابت يتحول الى صفقة، والسلطة بلا مشروع تتحول الى غاية.

لقد رحل عبدالله باذيب في 16 اغسطس 1976، لكن السؤال الذي تركه للقائد والسياسي لم يرحل معه، وما يزال قائماً حتى اللحظة: قبل أن يسأل السياسي عما تريد البلاد منه، عليه أن يسأل ذاته: ماذا يريد أن يقدم لبلاده؟

فالوطنية ليست شعاراً، بل حضور ونضال حقيقي وعطاء لا ينضب، لا يرجو من ورائه السياسي والمناضل سوى الرفعة والازدهار والسمو لوطنه، والعزة والكرامة والاستقرار لشعبه. وربما كانت هذه هي الإجابة التي صنعت حضوره وبقاء اثره؛ فقد دخل العمل العام وهو يحمل تصوراً لما يريد أن تكون عليه بلاده، لا تصوراً لما يريد أن تكون عليه مكانته فيها.

وفي زمن كهذا الذي نحن فيه، حيث تتبدل التحالفات والمواقف بسرعة، ربما نحتاج الى أن نتذكر أن الرجال والنساء يمكن أن يتغيروا، وأن الحكومات يمكن أن تتبدل، وأن الوسائل قد تتغير بحسب المرحلة، لكن الوطن وثوابته ومصالحه العليا لا ينبغي أن تكون معروضة في سوق النخاسة السياسية.

رحم الله عبدالله باذيب؛ فقد كان، قبل أن يكون رجل سلطة، رجل فكرة. وهذه وحدها قيمة تستحق أن نتوقف عندها في زمن أصبح فيه كثيرون يبحثون عن السلطة اولاً، ثم يبحثون بعد ذلك عن الفكرة التي تبررها.

وكذلك الحال حين تصاغ الافكار لخدمة السلطة، بدلاً من أن تكون السلطة وسيلة لخدمة الوطن؛ تتحول السياسة من مشروع لبناء الدولة الى وسيلة لتبرير الانتهازية، ويصبح تبديل المواقف مهارة، والتنازل عن الثوابت براعة، بينما يغيب السؤال الاهم: ماذا نريد لليمن؟