حين تتحول العيادة إلى عبء…رسومٌ تتعدد… وطبيبٌ يُرهق… ومريضٌ يدفع الثمن

حين تتحول العيادة إلى عبء…رسومٌ تتعدد… وطبيبٌ يُرهق… ومريضٌ يدفع الثمن

بقلم: د. أوسان سالم حميد

نقيب أطباء الأسنان عدن

ليس من السهل اليوم أن تكون طبيبًا، وأن تقرر فتح عيادة أو مركز طبي، وأن تحاول أن تقدم خدمة صحية محترمة للمواطن، في ظل منظومة متزايدة من الرسوم والتراخيص والإجراءات والالتزامات المالية التي تتوزع بين أكثر من جهة، حتى أصبح السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام تنظيم حقيقي للمنشآت الصحية، أم أمام منظومة متشعبة تجعل من العيادة مشروعًا مثقلًا بالجبايات قبل أن يبدأ بتقديم خدماته؟

هذه ليست شكوى عابرة، وليست مطالبة بإعفاء الأطباء من مسؤولياتهم تجاه الدولة والمجتمع.

نحن مع التنظيم، ومع الترخيص، ومع الرقابة، ومع دفع الرسوم التي يحددها القانون بوضوح، لأن المنشأة الصحية لا يمكن أن تعمل خارج إطار القانون.

لكننا في الوقت نفسه نسأل بكل مسؤولية:

هل من المنطقي أن يخضع الطبيب أو مالك المنشأة الصحية لرسوم وإجراءات متكررة لدى أكثر من جهة، مقابل الترخيص أو مزاولة المهنة أو فتح المنشأة نفسها أو رسوم نظافة وغيرها؟

لقد أصبحت معاناة أطباء الأسنان وأصحاب المنشآت الصحية في عدن تتجاوز مجرد ارتفاع تكلفة التشغيل. فهناك رسوم فتح وترخيص المنشآت الطبية لدى الجهات الصحية، ورسوم مرتبطة بتراخيص مزاولة المهنة، فضلًا عن الإشكالية التي أثارتها النقابات الطبية بشأن تكرار أو ازدواجية بعض التصاريح والإجراءات بين الجهات المختلفة.

وهذا الأمر ليس مجرد انطباع فردي؛ فقد سبق أن أصدرت النقابات الطبية في عدن بيانًا مشتركًا طالبت فيه بإعادة النظر في رسوم فتح وترخيص المنشآت الطبية، وتوحيد الجهة المختصة، ومنع تكرار التصاريح والرسوم والإجراءات، بما يضمن وضوح الاختصاص والمرجعية القانونية.

عندما تتعدد الجهات… تتضاعف المعاناة

المشكلة لا تتوقف عند الجهات الصحية.

فالطبيب الذي يفتح عيادة أو مركزًا طبيًا قد يجد نفسه أمام التزامات مالية وإجراءات لدى جهات متعددة، بعضها يرتبط بالنظافة أو المجالس المحلية أو غيرها من الخدمات، وفي بعض الحالات تصل الأمور إلى مطالبة المنشآت الطبية برسوم من جهات لا تبدو – من حيث طبيعة نشاط المنشأة – مرتبطة مباشرة بالترخيص الصحي.

ومن أكثر الأمثلة إثارة للاستغراب ما يواجهه بعض الأطباء من رسوم تُفرض على العيادات والمراكز الصحية تحت مسميات مختلفة، ومنها رسوم النظافة أو رسوم أخرى محلية، بل إن الأمر – بحسب ما يصلنا من شكاوى الأطباء – امتد في بعض المحافظات إلى مطالبة بعض العيادات والمراكز الطبية برسوم من مكاتب الصناعة والتجارة.

وهنا لا بد أن نتوقف قليلًا.

العيادة الطبية ليست محلًا تجاريًا لبيع السلع.

هي منشأة صحية تقدم خدمة إنسانية ومهنية، وتعمل تحت رقابة الجهات الصحية، ويلتزم الطبيب فيها بمعايير مهنية وأخلاقية وعلمية، ويتحمل مسؤولية مباشرة عن صحة الإنسان وسلامته.

ولذلك فإننا لا نرفض التنظيم، بل نطالب بأن يكون التنظيم منظمًا هو الآخر.

الطبيب يدفع… والمريض يدفع الثمن

قد يقول البعض:

"هذه مجرد رسوم، والطبيب يستطيع دفعها."

لكن القضية ليست بهذه البساطة.

عندما تتراكم الرسوم والتراخيص والجبايات والتكاليف التشغيلية، والغرامات الكبيرة على تأخر دفع الرسوم وغيرها فإنها في النهاية تدخل ضمن تكلفة تشغيل المنشأة.

والمنشأة الطبية لديها إيجار، ورواتب أطباء ومساعدين وموظفين، ومواد وأجهزة ومستلزمات طبية، وصيانة وتعقيم، وكهرباء ومياه، إضافة إلى الالتزامات الضريبية والقانونية وغيرها.

وفوق ذلك كله، تأتي فواتير الكهرباء والمياه بأسعار تجارية في كثير من الحالات، وكأن العيادة نشاط تجاري اعتيادي، لا منشأة صحية تقدم خدمة أساسية للمواطن.

ثم نأتي بعد ذلك لنسأل:

لماذا ترتفع تكلفة العلاج؟

ولماذا أصبح فتح عيادة جديدة أمرًا صعبًا؟

ولماذا تضطر بعض المنشآت إلى رفع أسعار خدماتها؟

إن جزءًا من الإجابة يكمن في هذه الحلقة المتراكمة من التكاليف.

فالطبيب عندما يتحمل تكلفة أكبر، يجد نفسه أمام خيارين: إما أن يتحمل الخسارة، وهذا يهدد استمرار المنشأة، أو أن ينعكس جزء من التكلفة على سعر الخدمة.

وفي الحالتين، يكون المواطن هو المتأثر في النهاية.

وهنا تصبح القضية أكبر من مجرد خلاف بين طبيب وجهة حكومية؛ إنها قضية صحة عامة وجودة خدمة وقدرة المواطن على الوصول إلى العلاج.

نحن لا نطالب بالفوضى… بل بالعدالة

من المهم أن يكون موقفنا واضحًا.

نقابة أطباء الأسنان عدن وكذا كل النقابات الطبية والصحية لا تطالب بإلغاء الرقابة، ولا بإعفاء المنشآت الصحية من التنظيم، ولا بفتح المجال أمام أي شخص لممارسة المهنة دون ترخيص.

على العكس تمامًا.

نحن نطالب بمنظومة أكثر تنظيمًا ووضوحًا وعدالة.

نريد رسومًا محددة ومعلنة وموحدة ومعقولة.

نريد منع تكرار الإجراءات بين الجهات.

نريد أن يكون لكل رسم سند قانوني واضح، وأن يعرف الطبيب مسبقًا ما هي التزاماته المالية والإدارية.

ونريد أن تنتهي حالة تعدد الجهات التي قد تجعل صاحب المنشأة الصحية يدور بينها بحثًا عن توقيع أو ترخيص أو تصريح أو رسم جديد.

فالطبيب يحتاج أن يتفرغ لمهنته، وليس لأن يتحول إلى موظف يتنقل بين المكاتب بحثًا عن نهاية سلسلة الإجراءات.

وقد طالبت النقابات الطبية في بيانها المشترك بالفعل بتوحيد الإجراءات والرسوم، وتحديد الجهة المختصة بتحصيلها، وعدم فرض رسوم غير واضحة أو غير مستندة إلى أساس قانوني.

رسالة إلى المسؤولين

من هذا المنطلق، فإننا في نقابة أطباء الأسنان عدن نرفع صوتنا مجددًا، لا رغبة في التصعيد، وإنما حرصًا على الوصول إلى حل.

ونتوجه بكل احترام وأمل إلى:

معالي وزير الدولة – محافظ محافظة عدن الأستاذ عبدالرحمن شيخ،

ومعالي وزير الصحة العامة والسكان الدكتور قاسم بحيبح،

ومدير عام مكتب الصحة والسكان في عدن الدكتور طارق الشعبي،

ونقول لهم:

إن أطباء الأسنان لا يبحثون عن امتيازات، وإنما عن بيئة مهنية عادلة.

لا نريد أن تكون العيادة الطبية مشروعًا يثقل كاهل الطبيب قبل أن يفتح أبوابه.

ولا نريد أن يصبح الطبيب أمام خيار رفع أسعار العلاج أو إغلاق منشأته أو تقليل مستوى خدماته بسبب تكاليف لا تنتهي.

ونحن على ثقة بأنكم تدركون أن دعم القطاع الصحي الخاص المنظم لا يعني حماية أصحاب المنشآت فقط، وإنما يعني قبل كل شيء حماية المريض واستمرار الخدمة الصحية.

لقد طرقنا الأبواب… ولن نتوقف

هذه القضية ليست وليدة اليوم.

لقد سبق للنقابة أن تابعت هذا الملف ورفعت شكوى بهذا الخصوص، كما أن النقابات الطبية في عدن واصلت طرح الموضوع بصورة مشتركة، وصولًا إلى البيان النقابي الذي صدر مؤخرًا بشأن الرسوم والإجراءات والازدواجية في التراخيص.

لكن استمرار المشكلة يجعلنا أمام مسؤولية أكبر.

ولهذا، فإن نقابة أطباء الأسنان عدن تدرس حاليًا اتخاذ المسار القانوني والقضائي لحماية حقوق أعضائها، والتأكد من أن أي رسوم أو التزامات مالية تُفرض على المنشآت الصحية تستند إلى نص قانوني واضح، وأن الاختصاصات بين الجهات المختلفة محددة بصورة لا تسمح بالتداخل أو الازدواجية.

وليس هدفنا الدخول في خصومة مع أي جهة.

هدفنا أن يصل صوت الطبيب إلى أصحاب القرار، وأن يتم تصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، ووضع آلية واضحة تنهي حالة التعدد والتكرار.

الطبيب ليس خصمًا للدولة

الطبيب الذي يفتح عيادة ليس خصمًا للدولة.

وصاحب المركز الطبي ليس جهة يجب استنزافها بالرسوم.

إنه شريك في تقديم الخدمة الصحية، وشريك في تخفيف الضغط عن المؤسسات الصحية الحكومية، وشريك في توفير فرص العمل، وشريك في خدمة المجتمع.

ولهذا فإن التعامل مع المنشآت الصحية يجب أن ينطلق من هذه الحقيقة.

نحن بحاجة إلى الاستثمار في الطبيب، لا إلى إنهاكه.

ونحن بحاجة إلى تشجيع المنشآت الصحية الجادة، لا إلى جعل استمرارها معركة يومية مع الرسوم والإجراءات.

ونحن بحاجة إلى تخفيف تكلفة الخدمة الصحية، لا إلى إضافة أعباء جديدة تنتهي في فاتورة المريض.

كلمة أخيرة

إننا في نقابة أطباء الأسنان عدن نمد يدنا للحوار، ونثق بحرص المسؤولين على معالجة هذه الإشكالات.

لكننا في الوقت نفسه نقول بوضوح:

التنظيم حق للدولة، ودفع الرسوم المستحقة قانونًا واجب علينا، لكن فرض الرسوم دون وضوح قانوني، أو تحميل المنشأة الصحية التزامات لا تتناسب مع طبيعتها، أمر يحتاج إلى مراجعة جادة ومسؤولة.

فالعيادة ليست مجرد باب تجاري يُفتح ويُغلق.

وراء هذا الباب طبيب أمضى سنوات من عمره في التعليم والتدريب، واستثمر مدخراته في أجهزة ومستلزمات، ووظف مساعدين وعاملين، وفتح أبوابه للمريض.

وإذا أثقلنا كاهل الطبيب، فلن يتوقف العبء عنده… بل سينتقل حتمًا إلى المريض.

ومن هنا، فإن رسالتنا اليوم ليست ضد أحد، وإنما من أجل الطبيب، ومن أجل المنشأة الصحية، وقبل ذلك كله… من أجل المريض.