وزارة التربية والتعليم أمام مرحلة جديدة لبناء مؤسستها
من موقع المتابع للشأن التربوي وليس من باب الإشادة باعتباري مستشارًا في وزارة التربية والتعليم أرى أن المرحلة الأخيرة شهدت مؤشرات تستحق التوقف عندها في مسار عمل الوزارة خصوصًا في ظل تراكم تحديات تعليمية وإدارية امتدت لسنوات.
وتشير متابعة نشاط وزير التربية والتعليم الأستاذ الدكتور عادل عبدالمجيد العبادي إلى حضور متزايد في عدد من الملفات الأساسية شملت متابعة الاختبارات والزيارات الميدانية والكتاب المدرسي والموارد البشرية وتنظيم التعليم الأهلي والخاص وتعزيز التعاون مع المنظمات الدولية والجهات الداعمة إلى جانب ملفات التعليم الدامج والتأهيل والتدريب.
ولا تكمن أهمية هذه التحركات في كثرتها وإنما في قدرتها على إعادة ربط الوزارة بالميدان والاقتراب من المشكلات الفعلية وتوفير مدخل أفضل لصناعة القرار التربوي.
فالقرار التعليمي الأكثر فاعلية هو القرار الذي يستند إلى معلومات دقيقة ويستمع إلى الميدان ويشارك في صياغته المختصون وأصحاب العلاقة ويخضع للتقييم والمراجعة.
ولعل من أهم متطلبات المرحلة المقبلة الانتقال التدريجي من النمط الإداري التقليدي الذي قد يتركز فيه القرار داخل مستويات محدودة إلى نموذج أكثر مؤسسية وتشاركية يقوم على توزيع الأدوار والاستفادة من الخبرات والعمل بروح الفريق.
فوزارة التربية والتعليم منظومة واسعة تضم قطاعات وإدارات ومكاتب تربية ومدارس وكوادر تربوية وأكاديمية إلى جانب شركاء من المؤسسات الحكومية والمنظمات والجهات الداعمة والمجتمع المحلي.
ومن هنا، فإن نجاح أي إصلاح لا يعتمد على الوزير وحده مهما كانت قدراته وإنما على قدرة المؤسسة بأكملها على العمل كفريق وعلى مشاركة المختصين في دراسة القضايا واقتراح الحلول وتنفيذها وتقييم نتائجها.
والعمل المؤسسي لا يعني إضعاف صلاحيات القيادة بل على العكس فهو يعزز دور القيادة من خلال توفير المعلومات والخبرات والبدائل التي تساعدها على اتخاذ القرار الصحيح.
كما أن إشراك المختصين والمستشارين والكوادر التربوية لا ينبغي أن يكون إجراءً شكليًا وإنما جزءًا من عملية صناعة السياسات التعليمية بما يضمن الاستفادة من الخبرات المتراكمة داخل الوزارة وخارجها.
وتبرز هنا أيضًا أهمية الشراكة مع الجهات ذات العلاقة فالمنظمات الدولية والجهات المانحة والسلطات المحلية والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني يمكن أن تكون شريكًا مهمًا في دعم التعليم شريطة أن تكون الشراكة منسجمة مع أولويات الوزارة وخططها وأن تظل الوزارة صاحبة الرؤية والقرار والسياسة التعليمية.
ويبقى المعلم محورًا أساسيًا لأي إصلاح تعليمي فلا يمكن بناء تعليم مستدام دون الارتقاء بوضعه المهني والمعيشي وتطوير قدراته وتعزيز مكانته ومعالجة التحديات التي تؤثر في استقراره وأدائه.
والطالب هو الغاية النهائية للعملية التعليمية ولذلك ينبغي أن تنعكس الإصلاحات على جودة التعلم والمناهج والبيئة المدرسية والأنشطة العلمية والثقافية والرياضية وهي ملفات يمكن توسيع الاهتمام بها مع انطلاق العام الدراسي الجديد.
كما أن تطوير أوضاع الموظفين والكوادر الإدارية والفنية يمثل جزءًا من الإصلاح فالمؤسسة التعليمية القوية تحتاج إلى موظف مؤهل ومستقر وإدارة واضحة ومسؤوليات محددة وتقييم موضوعي للأداء.
إن تحريك الملفات يمثل خطوة إيجابية قام بها معالي وزير التربية والتعليم لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية المطاف التحدي الحقيقي هو تحويل هذه التحركات إلى سياسات وبرامج مؤسسية مستدامة تقوم على التخطيط والبيانات ومؤشرات الأداء والمتابعة والتقييم والمساءلة.
وهنا يمكن أن تتحول المرحلة الحالية إلى فرصة لإعادة بناء طريقة العمل داخل الوزارة بحيث لا تكون الإصلاحات مرتبطة بالأشخاص أو الظروف الآنية وإنما تصبح جزءًا من نظام مؤسسي قادر على الاستمرار والتطور.
ومن هذا المنظور، فإن معيار النجاح لا ينبغي أن يكون حجم الحضور الإعلامي أو عدد الاجتماعات والفعاليات وإنما الأثر الذي تتركه السياسات في المعلم والطالب والمدرسة والموظف والمؤسسة التعليمية.
والأمل أن تقود هذه المرحلة إلى نقلة حقيقية في وزارة التربية والتعليم ويرتقي معها المعلم مهنيًا ومعيشيًا وتتذلل التحديات أمام الطالب وتتحسن أوضاع الموظفين وتتطوة ر المدرسة وتعزز الوزارة قدرتها على التخطيط والتنفيذ والتقييم.
إن استنهاض التعليم بعد سنوات من الركود وتراكم الملفات لا يمكن أن يتحقق بجهد فردي وإنما يحتاج إلى قيادة واضحة وعمل مؤسسي ومشاركة حقيقية من المختصين وتكامل بين الوزارة والشركاء واستماع مستمر للميدان.
وفي النهاية فإن ما نأمله ليس نجاح وزير فحسب وإنما نجاح المؤسسة التعليمية واستعادة قدرتها على أداء رسالتها الوطنية فالتعليم قضية وطن ومستقبل أجيال والمرحلة القادمة تستحق أن تكون انتقالًا من إدارة التحديات إلى صناعة الحلول ومن العمل الفردي إلى العمل المؤسسي التشاركي ومن تحريك الملفات إلى تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة.



