طب الأسنان في عدن أمام مفترق طرق .. آن الأوان لإعادة النظر في سياسات القبول والتوسع في كليات طب الأسنان

طب الأسنان في عدن أمام مفترق طرق .. آن الأوان لإعادة النظر في سياسات القبول والتوسع في كليات طب الأسنان

لم تعد قضية التوسع المتسارع في أعداد خريجي طب الأسنان مجرد ملاحظة عابرة أو هاجسًا بين الأطباء، بل أصبحت قضية مهنية وتعليمية ومجتمعية تستحق أن توضع أمام أصحاب القرار بكل جدية ومسؤولية.

وقد سبق أن كتبت في مايو الماضي عن تحديات التوسع في أعداد خريجي طب الأسنان في عدن، انطلاقًا من واقع نلمسه يوميًا: أعداد متزايدة من الخريجين مقابل سوق عمل محدود وفرص مهنية لا تنمو بالوتيرة نفسها.

واليوم، أصبحت المؤشرات أكثر وضوحًا، وأجد نفسي مضطرًا إلى توجيه رسالة صريحة إلى معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي، ومعالي وزير الصحة، ورئيس مجلس الاعتماد والجهات الأكاديمية والمهنية:

نحن بحاجة إلى وقفة جادة وشجاعة لإعادة النظر في سياسات القبول والتوسع في كليات طب الأسنان، قبل أن تصبح المشكلة أكبر من قدرتنا على معالجتها.

هل نُخرّج أطباء أكثر مما يحتاجه المجتمع؟

السؤال لم يعد: كم طالبًا نستطيع أن نقبل؟

بل: كم طبيب أسنان يحتاجه مجتمعنا فعلًا؟

فالجامعات ليست مصانع لإنتاج الشهادات، والتعليم الطبي لا ينبغي أن تحكمه زيادة أعداد المقبولين دون النظر إلى احتياجات المجتمع وقدرة النظام الصحي وسوق العمل على الاستيعاب.

إن تخريج أعداد متزايدة عامًا بعد عام دون دراسة وطنية دقيقة للاحتياج الفعلي يعني تأجيل المشكلة، ثم مواجهتها بأعداد أكبر من الخريجين الباحثين عن فرص محدودة.

وهؤلاء ليسوا مجرد أرقام؛ إنهم شباب قضوا سنوات من أعمارهم، وأنفقت أسرهم أموالًا كبيرة على تعليمهم، وحملوا حلمًا مشروعًا بأن يصبحوا أطباء ويخدموا مجتمعهم، ثم قد يجدون أنفسهم أمام سوق عمل مكتظ ومنافسة شديدة وفرص محدودة.

التشبع المهني لا يضر الطبيب وحده

قد تبدو زيادة أعداد أطباء الأسنان إيجابية إذا كانت متوازنة مع احتياجات المجتمع، لكن عندما يتجاوز العرض قدرة السوق على الاستيعاب، فقد تكون النتائج عكسية.

فالتشبع قد يؤدي إلى انخفاض الدخل، وارتفاع المنافسة غير الصحية، وظهور ممارسات تجارية لا تليق بمهنة إنسانية، وربما تقديم خدمات بأسعار متدنية على حساب الجودة، أو اللجوء إلى أساليب تسويقية ومهنية غير سليمة.

والأخطر أن يتحول الطبيب من صاحب رسالة مهنية إلى شخص يكافح فقط من أجل إيجاد فرصة للعمل.

وهنا تصبح القضية قضية مهنة كاملة، وليست قضية خريج يبحث عن وظيفة.

تجربة نقابة أطباء الأسنان في سوريا رسالة تستحق التوقف

إن التحذير الذي صدر مؤخرًا عن نقابة أطباء الأسنان في سوريا بشأن التوسع في افتتاح كليات جديدة أو زيادة أعداد المقبولين، وتحذيرها من تفاقم التشبع والإضرار بمستقبل الخريجين، يستحق أن نتوقف أمامه.

والأهم أن النقابة لم تكتفِ بالتحذير، بل أشارت إلى إعداد دراسة حول واقع المهنة وأعداد الأطباء والخريجين واحتياجات القطاع الصحي، ورفعها إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي للوصول إلى حلول تحمي جودة التعليم ومستقبل المهنة.

وهذا هو النهج الذي نحتاجه في اليمن: الأرقام والدراسات والمؤشرات، لا الانطباعات والتقديرات.

موقف نقابة أطباء الأسنان عدن

من موقع مسؤوليتها المهنية، ترى نقابة أطباء الأسنان عدن أن الوقت قد حان لإعداد دراسة وطنية علمية شاملة تتناول أعداد أطباء الأسنان والخريجين، ومعدلات القبول والتخرج، وعدد الكليات والبرامج القائمة، والطاقة الاستيعابية لسوق العمل، والاحتياجات الفعلية للنظام الصحي، ومستقبل المهنة خلال السنوات القادمة.

ونحن في النقابة نسعى إلى العمل على إعداد هذه الدراسة بالتعاون مع المختصين والجهات الأكاديمية والمهنية ذات العلاقة، لتكون مرجعًا علميًا يستند إليه أصحاب القرار عند وضع سياسات القبول والتوسع.

فالقرار الذي يمس مستقبل آلاف الطلاب والأطباء يجب أن يُبنى على دراسة علمية، لا على التقديرات الشخصية.

نحتاج إلى قرار شجاع.. ولو كان مؤقتًا

ندعو الجهات المختصة إلى إعادة النظر بصورة عاجلة في سياسات القبول الحالية، ودراسة إمكانية تجميد أو وقف التوسع في إنشاء كليات جديدة لطب الأسنان، ووقف زيادة أعداد المقبولين مؤقتًا، إلى حين إجراء دراسة وطنية تحدد الاحتياج الحقيقي وتضع سقفًا منطقيًا للقبول يتناسب مع قدرة سوق العمل والقطاع الصحي.

وهذه الدعوة ليست حربًا على التعليم، ولا إغلاقًا لباب المستقبل أمام الطلاب، بل محاولة لحماية مستقبل الطالب قبل أن يصبح خريجًا، ومستقبل الطبيب قبل أن يصبح عاطلًا، ومستقبل المهنة قبل أن تفقد توازنها.

كما أننا لا ندعو إلى إغلاق المؤسسات التعليمية القائمة، وإنما إلى تقييم قدراتها الأكاديمية والسريرية وربط أعداد القبول بجودة التعليم واحتياجات المجتمع.

فلنغيّر مفهوم النجاح

ليس النجاح أن تتزايد أعداد المقبولين والكليات والخريجين كل عام.

النجاح الحقيقي أن نخرج طبيب أسنان مؤهلًا، قادرًا على العمل وخدمة المجتمع، ويحظى بفرصة مهنية تحفظ كرامته ومستقبله.

فما قيمة أن نمنح آلاف الطلاب شهادات في تخصص واحد ثم نتركهم أمام سوق عمل لا يستطيع استيعابهم؟

وما قيمة زيادة أعداد الخريجين إذا كان ذلك سيأتي على حساب جودة التدريب، أو دون سياسات صحية تستوعبهم وتوزعهم وفق احتياجات المجتمع؟

رسالة إلى صانع القرار

إنني، بصفتي نقيب أطباء الأسنان في عدن، أتوجه إلى معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي، ومعالي وزير الصحة، ورئيس مجلس الاعتماد، والجامعات والكليات والجهات الأكاديمية والمهنية:

أنقذوا التوازن قبل أن يختل أكثر.

افتحوا هذا الملف بشجاعة، واجلسوا مع النقابات والجامعات والمختصين، واطلبوا الأرقام الحقيقية، وادرسوا واقع المهنة ومستقبلها، ثم اتخذوا القرار الذي يحمي التعليم ويحفظ المهنة ويخدم المجتمع.

نحن لا نريد أن نمنع شابًا من حلمه بأن يصبح طبيب أسنان، لكننا لا نريد أيضًا أن نبيع له حلمًا أكاديميًا دون أن نخبره بوضوح عن الواقع الذي ينتظره بعد التخرج.

الطالب من حقه أن يتعلم، والخريج من حقه أن يعمل، والمريض من حقه أن يحصل على خدمة آمنة، والمهنة من حقها أن تُحمى من التشبع والفوضى.

وهذه الحقوق يمكن تحقيقها من خلال سياسة تعليمية وصحية رشيدة تقوم على التخطيط، لا على التوسع العشوائي.

أخيرًا..

إن قضية أعداد خريجي طب الأسنان لم تعد قضية يمكن تأجيلها؛ فكل عام جديد يعني دفعة جديدة من الخريجين، وكل توسع جديد دون دراسة يعني اتساع الفجوة بين أعداد الباحثين عن العمل وحجم الفرص المتاحة.

ولهذا تؤكد نقابة أطباء الأسنان عدن استعدادها للمشاركة الفاعلة في إعداد دراسة علمية شاملة حول واقع أعداد خريجي طب الأسنان ومستقبل المهنة، وتدعو جميع الجهات ذات العلاقة إلى التعاون في هذا الملف.

نحن لا نطالب بإغلاق أبواب التعليم.. بل نطالب بفتح باب التخطيط.

ولا نقف ضد طموح الطلاب، بل نريد أن نحمي طموحهم من أن يتحول بعد سنوات الدراسة إلى معاناة وبطالة وإحباط.

ولا نحارب التوسع، بل نرفض التوسع الذي لا تحكمه حاجة ولا دراسة ولا رؤية مستقبلية.

إن مستقبل طب الأسنان في اليمن مسؤولية مشتركة، لكن مسؤولية اتخاذ القرار تقع اليوم على عاتق من يملكون القدرة على التصحيح.

فلنمتلك شجاعة القرار الآن، قبل أن يصبح إصلاح الخلل أكثر صعوبة وكلفة.

د. أوسان سالم حميد

نقيب أطباء الأسنان – عدن