خطاب الحوثي الاخير.. التمسك بخيار الحرب

يمثل خطاب عبدالملك الحوثي الأخير تصعيداً خطيراً في الخطاب السياسي والعسكري لجماعة الحوثي الإرهابية، ويكشف بوضوح عن اتجاه الجماعة نحو رفع مستوى التوتر، وتقديم الحرب باعتبارها خياراً حتمياً، في محاولة جديدة لفرض معادلة سياسية تقوم على التهديد بدلاً من الحوار، وعلى القوة بدلاً من الدولة، بما لا يهدد اليمنيين وحدهم، وإنما يفتح الباب امام تهديد أمن دول الجوار واستقرار المنطقة.

لقد اثبتت جماعة الحوثي، عبر سنوات الحرب، أنها لم تتوقف عند حدود السيطرة على مؤسسات الدولة اليمنية، وإنما تسعى دائماً الى توسيع دائرة التهديد كلما وجدت أن ذلك يخدم اهدافها. ولذلك، فإن التعامل مع هذه التهديدات باعتبارها مجرد رسائل سياسية عابرة قد يشجع الجماعة على المضي في التصعيد، بينما المطلوب هو موقف واضح يضعها امام مسؤوليتها عن تبعات خياراتها.

إن هذا الخطاب، بما يحمله من تهديد وتصعيد، يستدعي موقفاً دولياً وإقليمياً واضحاً؛ فالصمت امام هذا النوع من الخطاب لا يؤدي الى السلام، وإنما يمنح الجماعة مساحة جديدة لابتزاز اليمنيين، وتهديد دول الجوار، وتعطيل اي مسار جاد لإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة.

والمشكلة في اليمن لم تكن يوماً في غياب المبادرات السياسية او المسارات التي طرحتها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والدول الإقليمية، فقد تعددت المبادرات والهدن والمقترحات، لكن جماعة الحوثي تعاملت مع التهدئة في اكثر من محطة باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب صفوفها وتعزيز قدراتها، ثم عادت الى التصعيد متى رأت أن الظروف تخدم حساباتها.

ولهذا، فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن تسوية تبقي جماعة مسلحة فوق الدولة، ولا انتاج صيغة تمنحها شرعية الامر الواقع، وإنما وضعها امام مسؤوليتها المباشرة عن استمرار الحرب وتقويض فرص السلام.
فالسلام الحقيقي لا يعني مكافأة من حمل السلاح في وجه الدولة، وإنما يعني انهاء الانقلاب، وتسليم السلاح للدولة، واستعادة مؤسساتها، وعودة القرار السياسي الى اليمنيين.

وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تواصل القوات المسلحة اليمنية مسار الردع، ما دامت جماعة الحوثي ترفض السلام الحقيقي وتصر على ابقاء السلاح وسيلة لفرض مشروعها. فالردع ليس هدفاً في ذاته، والحرب ليست غاية، وإنما الهدف هو حماية الدولة، وتحرير المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيات، وفرض معادلة تجعل السلام خياراً ملزماً لا مناورة مؤقتة.

إن السلام الذي نريده لليمن ليس سلاماً يبقي الانقلاب، ولا تسوية تمنح المليشيا حق الفيتو على مستقبل البلاد، وإنما سلام شامل ومستدام يقوم على استعادة الدولة اليمنية، وانهاء الانقلاب، واحتكار الدولة للسلاح والقرار، والمضي نحو دولة اتحادية عادلة تضمن الشراكة الحقيقية بين اليمنيين.

كما ينبغي على الدولة أن تتعامل مع هذا الخطاب التصعيدي بمزيد من الوضوح والحزم، وأن تواصل مسار الردع العسكري حتى تتراجع المليشيا عن خيار الحرب، وتدرك أن السلاح لن يكون طريقاً لفرض مشروعها او ابتزاز اليمنيين. فاستعادة الدولة وحماية اليمن وفرض السلام لا تبدأ بالتراجع امام التهديد، وإنما بقوة الدولة وقدرتها على الردع، بما يجعل التخلي عن خيار الحرب الطريق الوحيد امام المليشيا، وصولاً الى سلام شامل ومستدام يقوم على انهاء الانقلاب وسيادة القانون.