الردع العسكري ليس نهاية المعركة.. بل مرحلة ضمن استراتيجية استعادة الدولة
تشير عمليات الردع العسكري الى أن جماعة الحوثي ليست خارج معادلة القوة، لكن استمرار قدرتها على التهديد يعني أن الردع لا ينبغي أن يكون نهاية المواجهة معها، بل بداية لمرحلة اكثر شمولاً وحزماً. فمواجهة الجماعة لم تعد تحتمل العودة الى سياسة الاحتواء او التقليل من طبيعة الخطر، وإنما تتطلب تطوير ادوات الردع وتحويلها الى استراتيجية تقود نحو إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة.
ويخطئ من يعتقد بإمكانية العودة الى التعامل مع الحوثيين باعتبارهم مجرد حركة تمرد وانقلاب محلي يمكن إنهاؤه عبر مفاوضات سياسية. فقد تحولت الجماعة الى تهديد يتجاوز الجغرافيا اليمنية، بما تمتلكه من قدرات صاروخية ومسيرات وشبكات للتهريب والامداد تمتد الى البحر الاحمر والقرن الافريقي. وفي الداخل، لم تكتفِ الجماعة بالسيطرة العسكرية، بل عملت على ترسيخ خطابها الايديولوجي داخل المؤسسات التعليمية والمناهج والمخيمات الصيفية والمنابر العامة، بما يهدد بإعادة انتاج اجيال مرتبطة بمشروع الانقلاب.
كما اسهم الدور الإيراني في احداث تحول في قدرات الجماعة ونفوذها؛ إذ وفر الدعم الإيراني الخبرات والسلاح والتكنولوجيا والتدريب، واسهم في تطوير قدراتها العسكرية. وبذلك لم يعد الخطر الحوثي شأناً يمنياً فقط، بل اصبح جزءاً من معادلة اقليمية اوسع، تستخدم فيها الجماعة موقع اليمن وقدراتها العسكرية للضغط وتهديد أمن المنطقة والملاحة الدولية.
ومع ذلك، فإن اختلال معادلة تكلفة الهجوم والدفاع يزيد من خطورة المشهد العسكري؛ إذ يستطيع الحوثيون مواصلة الهجمات بادوات محدودة الكلفة، بينما تتحمل الدولة والاقليم كلفة اكبر في مواجهتها وحماية المنشآت والممرات البحرية. وإذا استمرت هذه المعادلة، فقد يتحول الردع من وسيلة لتغيير سلوك الجماعة الى حالة استنزاف مفتوحة. لذلك، فإن الردع الفاعل لا ينبغي أن يقتصر على التصدي للهجمات بعد وقوعها، بل يجب أن يغير حسابات الحوثيين ويرفع كلفة استمرارهم في التصعيد.
ومن هنا، فإن الضربات او العقوبات وحدها لا تكفي لاحداث هذا التحول في السلوك، إذ ينبغي استكمالها بضغوط سياسية واقتصادية وأمنية وعسكرية متزامنة، وبجهد دولي اكثر فاعلية لمواجهة شبكات تهريب السلاح والخبرات والتكنولوجيا التي تغذي قدرات الجماعة، الى جانب تعزيز قدرة الدولة اليمنية على حماية سواحلها وممراتها البحرية.
كما ينبغي الا يظل الردع مجرد رد فعل على كل هجوم، بل يتحول الى استراتيجية متكاملة تستعيد فيها الحكومة اليمنية زمام المبادرة، وتعيد بناء قدرات مؤسسات الدولة والقوات المسلحة، وتواجه مصادر التمويل والتهريب، وتعزز أمن السواحل والممرات البحرية، بالتوازي مع مسار سياسي واضح لا يحول ادارة الأزمة الى بديل عن استعادة الدولة.
ومن زاوية اخرى، فإن امتلاك الدولة قدرة ردع حقيقية لا يمنحها فقط القدرة على حماية أراضيها ومصالحها، بل يعيد اليها موقعها السياسي والتفاوضي؛ فلا يمكن أن تكون هناك تسوية متوازنة بينما يملك طرف القدرة على فرض شروطه بالقوة، ولا يمكن بناء سلام مستدام من دون قوة ردع تحميه.
المطلوب إذن ليس ادارة المواجهة عبر ردود فعل عسكرية متقطعة، وإنما تطوير مفهوم الردع من مجرد استجابة للهجمات الى منظومة متكاملة تغير معادلة الصراع وتدفع نحو إنهاء الانقلاب. فالردع ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لاستعادة المبادرة الوطنية، ومرحلة ضرورية على طريق استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها وسيادتها.
وفي تجارب التعامل مع جماعة الحوثي، بات واضحاً أنهم لن يجنحوا لسلام مستدام من دون ردع، ولن يصبح الردع مكتملاً من دون استراتيجية تقود الى استعادة الدولة. وهذه ليست مصلحة يمنية فحسب، بل ضرورة لأمن الإقليم وسلامة الملاحة الدولية.



