البحر الأحمر (زلزال سعري) يهدد مائدة طعام المواطن في (اليمن ومصر)

في وقتٍ تتقاطع فيه المصالح الدولية عند مضايق الشرق الأوسط، لم يعد مفهوم "الأمن القومي العربي" مجرد شعارات سيادية أو تحركات عسكرية؛ بل استحال اليوم إلى معادلة اقتصادية رقمية بامتياز...

البحر الأحمر (زلزال سعري) يهدد مائدة طعام المواطن في (اليمن ومصر)

تحليل اقتصادي (الأول) فارس النجار:

اليوم، تُقرأ قوة الدول واستقرارها من خلال قدرتها على حماية "شرايين الحياة" المائية، حيث تترجم أي هزة أمنية في باب المندب فوراً إلى أرقام تضخمية ترهق كاهل المواطن العربي من المحيط إلى الخليج.

لغة الأرقام.. حينما تتحدث الجغرافيا!
لا يحتاج المراقب إلى كثير من الجهد ليدرك حجم الرهان؛ فالبحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي، بل هو العمود الفقري للتجارة العالمية، بمرور أكثر من 12% من حجم التجارة الدولية، ونحو 30% من حركة الحاويات عبره، يتحول أي اضطراب فيه إلى "زلزال سعري" عابر للقارات.
لقد كشفت الأشهر الماضية قفزت أقساط التأمين البحري بنسب فلكية وصلت إلى 600%، وارتفعت كلفة شحن الحاوية الواحدة بما يصل إلى 3,000 دولار. هذا الارتفاع ليس مجرد رقم في سجلات شركات الملاحة، بل هو ضريبة إضافية يدفعها المستهلك النهائي في أسعار الغذاء والدواء والطاقة.

اليمن ومصر في الجبهة الأمامية
يمثل التقرير الحالة المصرية واليمنية كنموذجين للارتباط العضوي بالممر المائي:
مصر: تنظر إلى قناة السويس كأحد أهم روافد أمنها القومي واقتصادها الوطني، وأي تهديد للملاحة في البحر الأحمر هو استهداف مباشر لاستقرار أحد أعمدة الاقتصاد المصري.
اليمن: تعيش الحالة الأكثر تعقيداً؛ فالاقتصاد اليمني المعتمد شبه كلياً على الاستيراد يجد نفسه أمام "خنق معيشي" حقيقي عند أي توتر، مما يهدد الأمن الغذائي الهش أصلاً ويضع العملة المحلية تحت ضغط الانهيار.

اليمن والسعودية.. شراكة المصير والأرقام
بعيداً عن العاطفة السياسية، يتحدث لسان حال الاقتصاد عن علاقة (يمنية - سعودية) بنيوية، فبينما تضخ المملكة تحويلات مغتربين يمنيين تُقدر بمليارات الدولارات (تمثل نحو 65% من إجمالي التحويلات)، تقف الرياض كحائط صد مالي منع انهيار الدولة اليمنية بدعم تجاوز 17 مليار دولار.
إن استقرار اليمن، من هذا المنظور، هو جزء لا يتجزأ من استقرار الإقليم ورؤيته الطموحة، فالدعم السعودي المستمر، خاصة بعد توقف صادرات النفط اليمني، لم يكن مجرد مساعدات، بل كان "شبكة أمان استراتيجية" حالت دون انزلاق البلاد نحو كارثة إنسانية واقتصادية شاملة.

تحذير من الأجندات العابرة للحدود!
نخلص إلى أن أي تحركات أحادية خارج الإطار المؤسسي العربي، أو الارتهان لأجندات خارجية تهدف لـ "عسكرة" البحر الأحمر، هي مغامرة اقتصادية غير محسوبة العواقب، وإن غياب التنسيق يفتح الباب أمام قوى مشبوهة لاستثمار الفوضى، مما يرفع من "كلفة المخاطر" ويقوض ثقة المستثمرين والمجتمع الدولي في استدامة المنطقة.

الاستقرار كاستثمار وقائي
إن حماية الممرات المائية العربية اليوم هي سياسة اقتصادية وقائية، والرهان الحقيقي ليس في التصعيد أو الشعارات، بل في العودة إلى مسار التوافق المؤسسي وتغليب منطق "الدولة" والمصلحة العليا، ففي نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الدول بحدة خطابها، بل بقدرتها على تأمين لقمة عيش مواطنيها وحماية اقتصادها من أمواج الصراعات العاتية.