في زمن التحولات الكبرى!.. الأمن القومي العربي ودور السعودية القائد
تمثل الجزيرة العربية أهمية كبرى في السياسات الدولية، لا من جهة الثروات التي تختزنها في أعماق أرضها وعلى سطحها فحسب، بل لأهميتها الجغرافية المشرفة على ثلاثة بحار مهمة، والمتحكمة في المصالح والتجارة الدولية بين الشرق والغرب، بالإضافة إلى التدفقات النفطية المحرِّكة لماكينات الصناعة والاقتصاد الدوليين، فضلًا عن كونها رابطًا جغرافيًا بين القارات الثلاث: الآسيوية، والأفريقية، والأوروبية، من خلال امتدادها الشمالي؛ بلاد الشام أو شرق البحر الأبيض المتوسط.
تحتل المملكة العربية السعودية ما يتجاوز ثلثي مساحة الجزيرة العربية جغرافيًا، ونصفها ديمغرافيًا من العرب، ودون إثنيات عرقية، إذا ما جنّبنا القوى العاملة الأجنبية، والتي لا تتجاوز 20%، وهي نسبة مقبولة ولا تشكل أي مخاطر على أمنها القومي، كما هو الحال في القوس البريطاني (دول الخليج العربية)، والتي تكاد نسبة سكانها من المواطنين العرب تقف عند 20% في بعضها، أو تزيد قليلًا في البعض الآخر.
وهو أمر نبّه إلى خطورته مبكرًا السيد سيف بن هاشل المسكري، الأمين العام المساعد الأسبق لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، في أعقاب حرب الخليج الثانية، ولكن يومها ذهبت صيحته بعيدًا عن اهتمام صُنّاع القرار، في ظروف أفراح الانتصار لدولة الكويت.. غادر المسكري منصبه، وبقي مجلس التعاون غطاءً لبعض مؤامرات أعضائه، وامتحانًا لصبر السعودية، الدولة القائد الإقليمي في الجزيرة العربية والشرق الأوسط، والمؤثرة في العلاقات الدولية، التي تشهد متغيرات وتكتلات، بل وصراعات لتشكيل مستقبلها.
ومنها الصراع في اليمن، بموقعه الجيوستراتيجي وكثافته السكانية العربية، في الزاوية الجنوبية الغربية، المتحكمة في جنوب البحر الأحمر والمشرفة على بحر العرب، وبالتالي على المحيطات الثلاثة : الهندي، والأطلسي غربًا، والهادي شرقًا. وهذا مجال حيوي للمملكة العربية السعودية.
انطبق مثل الحضارم : «ما يقبصك إلا قمل ثوبك»، ولكن ذلك القمل تحوّل إلى أكثر من إزعاج قمل الثوب، وتكشف في خيانة الثقة وعدم احترام صبر الكبار، في عملية استخدام ما أطلق عليه الانتقالي الجنوبي، الذي تم تدريبه وتجهيزه بأحدث ما في الترسانة العسكرية الإماراتية.
ورغم ذلك ظلت السعودية تراقب بصبر، وتحرص على حل الخلافات ثنائيًا، حتى كُلّفت تلك القوات باحتلال حضرموت، بهدف تصفية قوة حلف قبائل حضرموت، وتحرير وادي وصحراء حضرموت من قوات المنطقة الأولى، وبالتالي منع قوة درع الوطن من إقامة معسكراتها في حضرموت. وجميعها قوات تابعة للشرعية اليمنية، وبدعم وإشراف التحالف العربي الذي تشارك فيه الإمارات.
