الحوار الجنوبي والتوافق... طريق العبور إلى المستقبل
في حياة الشعوب لحظات لا تقبل التأجيل، لأن ثمن إضاعتها قد يكون ضياع الأوطان نفسها. والجنوب اليوم يقف أمام واحدة من تلك اللحظات الفاصلة؛ فإما أن ينتصر أبناؤه للحكمة والحوار، وإما أن تستمر الانقسامات في استنزاف قضية دفعت من أجلها التضحيات، وما تزال تواجه تحديات غير مسبوقة.
لقد مر الجنوب بمحطات تاريخية مؤلمة، وحاول في أكثر من مناسبة طي صفحات الماضي، إلا أن التجربة أثبتت أن تجاوز الأزمات لا يتحقق بالنسيان، وإنما بالاعتراف بالأخطاء واستخلاص الدروس منها. ومن هنا، فإن الحوار الجنوبي-الجنوبي، المزمع عقده برعاية المملكة العربية السعودية، يمثل فرصة تاريخية ينبغي أن تُبنى على قراءة واعية للماضي، حتى لا تتحول الأخطاء نفسها إلى عبء على المستقبل.
ورغم ما خلفته الحرب والانقلاب الحوثي من معاناة اقتصادية وإنسانية، فإن الجنوب كان في مقدمة من قدموا التضحيات دفاعاً عن الأرض والهوية. وفي المقابل، أفرزت هذه المرحلة تعدداً في المكونات الجنوبية، وجميعها ترفع راية القضية الجنوبية. وهذا التعدد ليس مشكلة في حد ذاته، بل قد يكون مصدر قوة إذا أحسن الجميع إدارته بالحوار والشراكة، بينما يتحول إلى مصدر ضعف إذا بقي أسيراً للصراع والإقصاء.
لقد علمتنا التجارب حقيقة لا تقبل الجدل؛ أن الجنوب ينتصر عندما يتوحد، ويخسر عندما يتفرق. فالانقسامات لم تضعف الموقف السياسي فحسب، بل ساهمت في إنهاك المواطن، وتآكل مؤسسات الدولة، وتراجع الخدمات، وإضعاف النسيج الاجتماعي والهوية الوطنية. ولذلك، فإن الحوار لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وطنية لإنتاج موقف جنوبي موحد يحظى باحترام الداخل والخارج، ويحصن القرار الوطني من الإملاءات، ويؤسس لتوافق حقيقي حول شكل الدولة، ونظام الحكم، والشراكة الوطنية، بعيداً عن سياسة فرض الأمر الواقع.
وتزداد الحاجة إلى هذا التوافق في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، حيث تعيد القوى المؤثرة رسم خرائط النفوذ وموازين القوة. ومن لا يمتلك رؤية موحدة سيجد نفسه أمام واقع يُفرض عليه. فمعركة استعادة الدولة لا يمكن أن تُخاض بصفوف متفرقة، كما أن المستقبل لا يُبنى بأصوات متناقضة.
وإذا كانت المسؤولية تقع على القيادات والمكونات والأحزاب السياسية لوضع مصلحة الجنوب فوق المصالح الحزبية والشخصية والمناطقية، فإن النخب والإعلام يتحملان مسؤولية لا تقل أهمية في إطفاء خطاب الكراهية، وترسيخ ثقافة التسامح، وتهيئة الرأي العام لإنجاح الحوار. كما أن حضور المرأة والشباب والمستقلين ليس ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة وطنية، فهم شركاء في صناعة القرار، ولا يكتمل أي توافق حقيقي من دون مشاركتهم الفاعلة.
إن الجنوب أكبر من خلافات أبنائه، والقضية الجنوبية أسمى من أن تُختزل في حسابات ضيقة. ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل جنوبي اليوم ليس: من ينتصر على الآخر؟ بل: كيف ينتصر الجنوب؟ فاللحظة التاريخية لا تنتظر؛ إما أن نتحاور اليوم فنؤسس لوطن يتسع للجميع، وإما أن نواصل الخصومة فيخسر الجميع. وبين الخيارين، يبقى الحوار هو الطريق الأقصر إلى المستقبل، والأكثر وفاءً لتضحيات الجنوب وأبنائه.



