مخاطر البطانة السيئة
مسعود عمشوش
في كثير من الأحيان لا يعود فشل الحكام والقادة لخلل في ذاتهم أو شخصيتهم بل في أقربائهم وسوء اختيارهم لبطاناتهم، أي مجموعة المستشارين والمقربين المدللين الذين لا يتوقفون عن دفع الحاكم أو القائد إلى منحهم امتيازات لا تقرها شريعة ولا قانون وتتنافي مع المصلحة العامة.
وأخطر ما في البطانة السيئة أنها تعمد إلى فرض عناصرها وأنصارها وأقاربها غير المؤهلين وغير المتخصصين وتعيينهم في الهيئات والمؤسسات الحكومية وبواسطتهم تنفذ تعليماتها وتحقق مصالحها الشخصية. وكثيرا ما تلجأ تلك البطانة إلى عزل الحاكم أو القائد عن شعبه أو رعيته ووضع الجدران من حوله، وإغلاق الأبواب في وجوه محبيه وتحوله إلى أسير لإرادتها وأهوائها. وإذا كانت البطانة السيئة توظف في السابق عددا من الخطباء والشعراء فهي اليوم تعتمد على كمٍّ هائل من الإعلاميين المحترفين والذباب الالكتروني لضمان التعمية والتضليل، وتغطية سلوكهم ومواقفهم وممارساتهم القذرة.
وكثيرا ما يسبب المقربون والبطانة السيئة سقوط الحاكم أو القائد، وهم عند سقوطه لا يترددون في الانقلاب عليه وتنحيته، وتحميله مسؤولية كل التجاوزات والأخطاء، ويسارعون إلى تبرئة أنفسهم والتحطيب على الحاكم المعزول، الذي سقط ضحية استشاراتهم وتقاريرهم الخاطئة والمفبركة وأكاذيبهم وتضليلهم، وتقاريرهم الكاذبة المفبركة.
وفي الغالب لا يبادر معظم الحكام والقادة إلى قراءة التاريخ المليء بالأمثلة التي تبيّن بجلاء خطورة البطانة السيئة، وإن قرأوا فمن النادر أن يتعظوا ويستخلصوا العبر والدروس. لهذا فمصيرهم المحتوم هو السقوط والهروب وقضاء بقية أعمارهم في المنافي، وفيها يجدون من يقبل إعالتهم مقابل توظيفهم لغرض مبيَّت في نفس يعقوب. وما أكثرهم في عواصم الشرق والغرب.
ويبدو لنا أن على الحاكم الذي يحب مصلحة رعيته وشعبه ويتوق لخدمته بإخلاص والتفاني من أجله، ولا يريد أن يتحول إلى كبش فداء يدفع ثمن أخطاء وسياسات أقارب وبطانة قذرة، عليه أن يعتمد على مستشارين من ذوي الخبرة والكفاءة والنزاهة، ومن المستحسن أن يتم الإعلان عن هويتهم.
وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ، ولا استَخْلَفَ مِن خَليفةٍ، إلا كانَتْ لَهُ بِطَانَتانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمعْرُوفِ، وَتَحُضُّهُ عليه، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ، وَتَحُضُّهُ عليه، والمَعْصُومُ مَنْ عَصمَ اللهُ".
