عدن والشركاء الدوليون.. من (ترميم الأزمات) إلى (هندسة الاستدامة)
في الوقت الذي تشرع فيه العاصمة المؤقتة عدن في ترتيب أوراقها مع تشكيل الحكومة الجديدة، يتطلع الشارع عدن بشكل خاص بآمال عريضة نحو شركاء التنمية الدوليين. لقد قدمت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الكثير خلال سنوات الحرب، لكن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل "الحلول المسكنة"؛ فالمواطن العدني يبحث اليوم عن أثر باقٍ يلمسه في صنبور مياهه، واستقرار تياره الكهربائي، وكرامة عيشه واستقرار دفع مرتبه الشهري بشكل منتظم.
البنية التحتية المستدامة: الاستثمار في "العصب" لا في "الهامش"
إن لغة البيانات اثبتت أن كلفة الصيانة المتكررة للحلول الإسعافية والمشاريع المؤقتة على مدى سنوات قد فاقت بمراحل كلفة إنشاء مشاريع بنية تحتية جذرية ومستدامة تترك اثر ملموس. لذا، فإن الدعوة اليوم تتجاوز "الإغاثة" إلى التركيز على مشاريع "عصب الحياة". بدلاً من صهاريج المياه المتنقلة، نحتاج لاستكمال تأهيل الشبكات المتهالكة، وبدلاً من المولدات المستأجرة، نحتاج لدعم استقرار الطاقة المتجددة للمنشآت الخدمية. وبدلاً من المساعدات النقدية نحتاج الى تحسين سبل العيش من خلال تدريب الشاب وإكسابهم مهارات مهنية . الاستدامة هنا ليست رفاهية، بل هي تدبير اقتصادي ذكي يحفظ كرامة الإنسان ويقلل الهدر المالي.
الشراكة من الميدان: الخروج من "صناعة المكاتب"
الضمانة الحقيقية لنجاح أي دعم دولي تكمن في الانتقال من المشاريع "المعلبة" التي تُصمم خلف الشاشات في العواصم البعيدة، إلى الشراكة الميدانية الفاعلة.
السلطة المحلية في عدن وكوادرها الفنية هم الأدرى بخصوصية كل مديرية واحتياجاتها؛ لذا فإن إشراكهم في "تصميم المشروع" منذ اللحظة الأولى يضمن ملامسة الوجع الحقيقي للمواطن، ويمنع تشتت الجهود في أنشطة لا تحقق أثراً تنموياً ملموساً على الأرض.
التمكين الاقتصادي: تحويل "المستلم" إلى "منتج"
أرقى أنواع الدعم هو الذي ينهي الحاجة للدعم نفسه. يجب أن يتجه بوصلة التمويل نحو مشاريع سبل العيش المستدامة؛ فدعم الصيادين والمزارعين بآليات حديثة، وتمكين الشباب بمهارات تقنية مرتبطة بسوق العمل، هو استثمار في الاستقرار الأمني والاجتماعي. عندما نفتح بيتاً بفرصة عمل كريمة، فإننا نغلق باباً أمام العوز والتطرف، وهو ما لا يمكن لأي سلة غذائية مؤقتة أن تحققه.
توطين العمل المدني: تحريك العجلة الاقتصادية المحلية
يمتلك المواطن في عدن وعياً نقدياً عالياً تجاه أموال الدعم. لذا، فإن الشفافية تقتضي منح الأولوية للمقاولين والعمال والمنظمات المحلية في تنفيذ المشاريع. هذا "التوطين" يضمن بقاء السيولة النقدية داخل السوق المحلي العدني، ويساهم في إنعاش الاقتصاد المنهك، ويخلق فرص عمل حقيقية لأبناء المدينة، مما يعزز الثقة بين المواطن والمنظمات الدولية.
ختاماً: عدن كنموذج للاستقرار التنموي
إن الرسالة التي يوجهها أبناء عدن اليوم لشركائهم هي: "كونوا معنا في بناء المستقبل كما كنتم معنا في تخفيف ألم الحرب". إن استقرار عدن تنموياً وخدمياً ليس مجرد مطلب محلي، بل هو "مفتاح سياسي" لاستقرار اليمن ككل. فنجاح النموذج في عدن كعاصمة سيمهد الطريق للانطلاق نحو بقية المحافظات، محولاً المدينة من مجرد محطة للإغاثة إلى منارة للتنمية المستدامة والتعافي الحقيقي.


