فصل الكهرباء (اونلاين).. قرار يكشف السقوط الأخلاقي والسياسي للإمارات

إيقاف محطتي الطاقة الشمسية في عدن وشبوة عبر التحكم الإلكتروني دون إخطار رسمي، لم يطرح اسئلة تقنية بقدر ما كشف عن اختلال عميق في منظومة الأخلاق السياسية، خصوصا أنه جاء عقب إنهاء الشراكة الإماراتية في التحالف العربي بطلب يمني. وهو ما حول الخدمات الأساسية لاحقا الى ادوات نفوذ وضغط واستقواء، تضع أمامنا تساؤلات جوهرية حول حقيقة الادوار والنوايا، وحدود المسؤولية الأخلاقية لدولة ادعت يوما الشراكة في دعم الشرعية والاستقرار.

لم يكن تأثير القرار الذي نفذته الشركة الإماراتية المشغِّلة (GSU) فنيًا فحسب، بل كان اجتماعيا واقتصاديا مباشرا، إذ مسّ حياة الناس اليومية وعمق شعورهم بانعدام الأمان الخدمي في مدن انهكتها الحرب وتداعياتها. فمحطات الطاقة الشمسية لم تكن ترفا بل وسيلة لتخفيف الأحمال وتقليص فترات الانقطاع، وتعطيلها بهذه الطريقة كشف استخفافا واضحا بمعاناة المواطنين واحتياجاتهم الأساسية.

الاخطر في إغلاق المحطتين هو بُعده السياسي؛ فالإيقاف "اونلاين" يكشف امتلاك قدرة تحكم عن بُعد في بنية تحتية حيوية داخل أراض يُفترض أنها خاضعة لسلطة الدولة اليمنية المعترف بها دوليا، ما يعني أن الإمارات استغلت الثقة، ووظّفت هذه القدرة خارج الأطر السيادية والتنسيق المؤسسي، لتتحول الكهرباء - وهي حق إنساني اساسي - الى ورقة ابتزاز سياسي.

لطالما برّرت الإمارات مواقفها في اليمن بخطاب "الاستقرار" و"مكافحة الإرهاب"، غير أن الوقائع المتراكمة تشير الى تعامل انتهازي يخدم حسابات اقليمية اوسع، ترتبط بالسيطرة على الممرات البحرية الحساسة. ولا يمكن فصل ما يحدث في اليمن عن تمدد نفوذ أبوظبي بمعية قوى اخرى في دول القرن الأفريقي، وبناء مواضع قدم استراتيجية تتيح ضغطا جيوسياسيا على الدول المطلة على البحر الأحمر، وعلى احد اهم خطوط التجارة البحرية في العالم.

لقد كانت المشاركة الإماراتية ضمن التحالف العربي، في وعي اليمنيين، فعل نصرة لشقيق، ودعما لشرعية الدولة، وهي مشاركة يثمنها اليمنيون ولن ينسوها. فقد دفع ابناء الإمارات الذين صدقوا خطاب قيادتهم اثمانا باهظة، وسقط منهم شهداء نحسبهم كذلك بإذن الله. غير أن المفارقة المؤلمة اليوم تكمن في توظيف تلك التضحيات لتبرير سياسات تُقوِّض ما قيل إنها جاءت لحماية اليمن ووحدته واستقراره وكرامة شعبه.
وبات واضحا أن خروج الإمارات من التحالف لم يكن مجرد تحول سياسي، بل احدث هزة أخلاقية. فالدولة التي ربطتها باليمن وشائج تاريخية منذ تأسيسها، وارتبط اسم مؤسسها الراحل الشيخ زايد، رحمه الله، بالحكمة والغيرة الصادقة على الأمة العربية والإسلامية، تبدو اليوم وقد انزلقت الى خيارات تضرب تلك الذاكرة المشتركة وتُضعف ما تبقى من الثقة بين الشعب اليمني والقيادة السياسية الحالية في أبوظبي.

إن ما حدث في عدن وشبوة ليس حادثة فنية معزولة بل مؤشر خطير على مسار الامارات، يضع الخدمات الأساسية في قلب الصراع، ويحول الدعم المعلن الى نفوذ مشروط. وهنا تتقاطع التقنية مع الجغرافيا السياسية، ويتحول المشروع الخدمي الى أداة تمس السيادة اليمنية  وتكشف احد اوجه السقوط الأخلاقي والسياسي للإمارات. والمطلوب اليوم ليس تبريرا جديدا، بل مراجعة صريحة ومسؤولة، تقوم على احترام السيادة، وإعادة الاعتبار للتنسيق المؤسسي، وفصل المشاريع الخدمية عن الحسابات الجيوسياسية. فالكهرباء ليست سلاحا، واليمن - شعبًا ودولة - ليس ساحة لتجارب النفوذ.