جنوب اليمن والسعودية: من إدارة الأزمة إلى استثمار الاستقرار
جنوب اليمن والسعودية: من إدارة الأزمة إلى استثمار الاستقرار
كتب محمد أنور العدني
لم يعد حضور المملكة العربية السعودية في المشهد الجنوبي من اليمن ملفًا إغاثيًا عابرًا، بل أصبح عنصرًا ثابتًا في معادلة الاستقرار الخدمي والاقتصادي في منطقة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن الإقليمي مع متطلبات الحياة اليومية للسكان.
فعلى امتداد السنوات الماضية، تركز الدور السعودي في دعم القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الطاقة، بهدف منع الانهيار الكامل للخدمات، هذا النمط من التدخل كان ضروريًا في مرحلة الطوارئ، حيث شكّلت المنح النفطية وتمويل تشغيل محطات الكهرباء صمام أمان حال دون تفاقم الأوضاع المعيشية بشكل أكبر.
لكن التطورات الميدانية والاقتصادية في الجنوب تشير إلى أن مرحلة “إدارة الانهيار” لم تعد كافية، وأن التحدي الحقيقي بات يتمثل في الانتقال إلى بناء استقرار قابل للاستمرار.
الكهرباء كمؤشر سياسي واقتصادي
في البيئات الهشة، تتحول الخدمات الأساسية إلى مؤشرات سياسية بامتياز، الكهرباء تحديدًا لم تعد مجرد خدمة، بل معيارًا لقياس قدرة أي سلطة أو شريك إقليمي على إحداث فرق ملموس في حياة السكان.
التحسن النسبي في ساعات التشغيل خلال فترات الدعم المكثف أظهر بوضوح أن استقرار الطاقة ينعكس فورًا على بقية القطاعات، المياه، الصحة، النشاط التجاري، وحتى مستوى التوتر المجتمعي، وفي المقابل، فإن تراجع الإمدادات يعيد إنتاج دورة السخط الشعبي والضغط السياسي.
لهذا السبب، فإن أي مقاربة سعودية مستقبلية في الجنوب ستُقاس بدرجة نجاحها في نقل ملف الكهرباء من خانة الدعم التشغيلي المؤقت إلى البنية التحتية الدائمة.
منح الوقود لا تبني اقتصادًا
الدعم القائم على تزويد الوقود لتشغيل محطات متهالكة يخفف الأزمة، لكنه لا يؤسس لاقتصاد مستقر، فالكلفة التشغيلية المرتفعة، والفاقد الفني، وضعف الشبكات، كلها عوامل تجعل المنظومة الكهربائية تستنزف الموارد دون أن تخلق قيمة تنموية حقيقية.
التحول الجوهري يتطلب الاستثمار في محطات توليد حديثة تعمل بالغاز أو بالطاقة المتجددة، وهو خيار لا يخفف العبء المالي على المدى المتوسط فحسب، بل يفتح المجال أمام توسع صناعي وتجاري لا يمكن أن ينشأ في بيئة طاقة غير مستقرة.
عدن بين الجغرافيا المعطلة والفرصة المؤجلة
ينطبق المنطق نفسه على البنية الاقتصادية لعدن، فالمدينة تمتلك مقومات جغرافية نادرة، موقع بحري استراتيجي، تاريخ كمركز تجاري، وبنية أساسية يمكن إعادة تأهيلها بدل بنائها من الصفر، ومع ذلك، ظلت هذه المقومات معطلة بفعل غياب الاستثمار الكبير القادر على تحويل المزايا النظرية إلى قدرة تشغيلية حقيقية.
إعادة تشغيل مصافي عدن تمثل مثالًا واضحًا على الفرق بين الدعم الاستهلاكي والدعم الاستثماري، فالمصفاة، إذا عادت للعمل بكفاءة، يمكن أن تتحول من عبء متوقف إلى أصل اقتصادي يرفد السوق المحلية بالمشتقات، ويخلق وظائف، ويعيد ربط المدينة بدورها في قطاع الطاقة الإقليمي.
الأمر ذاته ينطبق على ميناء عدن، الذي لا تنقصه الجغرافيا بل الإدارة الحديثة والاستثمار في التوسعة والتجهيز، في حال توفر ذلك، يمكن للميناء أن يستعيد جزءًا من دوره في حركة التجارة الدولية، وهو ما ينعكس مباشرة على الإيرادات وفرص العمل والخدمات اللوجستية.
الاستقرار كقيمة استراتيجية مشتركة
من منظور سعودي، لا يرتبط الاستثمار في هذه القطاعات فقط بالبعد الإنساني أو السياسي المحلي، بل يتصل أيضًا بأمن الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، واستقرار بيئة جنوب الجزيرة العربية، وتقليص مساحات الفراغ التي قد تستغلها قوى معادية أو شبكات غير نظامية.
ومن منظور جنوبي، فإن أي شراكة تُترجم إلى مشاريع بنية تحتية كبرى ستُقرأ باعتبارها مساهمة في بناء المستقبل، لا مجرد إدارة للحاضر المتعثر.
نقطة التحول الممكنة
الجنوب يقف اليوم أمام لحظة فاصلة، إما استمرار الاعتماد على تدخلات إسعافية تُبقي الأوضاع ضمن حدها الأدنى، أو الانتقال إلى مرحلة استثمارات استراتيجية تعيد تشكيل البيئة الاقتصادية والخدمية بالكامل.
في هذا السياق، يكتسب الدور السعودي أهمية مضاعفة، ليس فقط بحكم القدرة التمويلية، بل بحكم موقع المملكة في معادلة الأمن الإقليمي، وما يمثله استقرار الجنوب من مصلحة متبادلة تتجاوز الإطار المحلي الضيق.
التحول من “دعم الأزمة” إلى “استثمار الاستقرار” قد لا يكون قرارًا فنيًا بقدر ما هو خيار سياسي استراتيجي، لكنه في حال حدوثه سيشكل الفارق بين منطقة تدور في حلقة الأزمات، وأخرى تبدأ فعليًا مسار التعافي الطويل.
