بين نزيف الخنادق وجفاء الفنادق.. أبين والبحث عن الإنصاف
بقلم د. نوال مكيش
تعد محافظة أبين في التاريخ اليمني المعاصر أكثر من مجرد حيز جغرافي إنها "بيضة القبان" في الميزان السياسي، والعمق الاستراتيجي الذي تشكلت في أحضانه كبرى التحولات، ورغم ما تعرضت له هذه المحافظة من دورات صراع متعاقبة، إلا أنها ظلت عصية على الانكسار، محتفظة بلقبها التاريخي كـ "بلد القادة والساسة".
لم تكن أبين يوماً بعيدة عن فوهة البركان، فموقعها الذي يتوسط الجغرافيا جعل منها ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية والعسكرية عبر مختلف المحطات.. منذ فجر الثورة وحتى اللحظة الراهنة، قدمت أبين ضريبة باهظة من دماء أبنائها، إن "الإنسان الأبيني" كان دائماً في الخطوط الأمامية، وقوداً لمعارك تثبيت الدولة، وهذا الاستنزاف المنظم لم يكن إلا ضريبة للموقف الصلب والانخراط المباشر في صناعة القرار الوطني.
مدرسة القيادة والإقصاء الممنهج علمياً، تُصنف أبين كخزان بشري ومنجم للقيادات الكاريزمية التي أدارت دفة الحكم لعقود، ومع ذلك، يبرز اليوم تساؤل مشروع حول "التمثيل والاستحقاق" ففي الوقت الذي تُستدعى فيه أبين لتقديم التضحيات في الميادين، نجدها تُغيب أو تُهمش في أروقة التشكيلات الحكومية وصناعة القرار الراهن.
إن عدم إنصاف أبين في الاستحقاقات السياسية بما يتناسب مع ثقلها التاريخي وتضحياتها البشرية يضع علامات استفهام كبرى حول معايير العدالة والشراكة...فإذا لم يكن لأبين نصيبٌ عادل في التشكيلات السياسية الحالية، فإن ما يجري لا يمكن وصفه إلا بالنكوص عن رد الجميل لمحافظة لم تبخل يوماً بكل غالٍ ونفيس.
أمام هذه المجريات التي قد تبدو "مخزية" في حق تاريخ المحافظة، قد يختار أبناء أبين اليوم منطق "استراحة المحارب". وهي ليست انسحاباً، بل موقفاً سياسياً واعياً لمراقبة النتائج وقراءة مآلات ما يُطرح على الساحة، إن التخلي عن تمثيل أبين الحقيقي يعني بالضرورة إضعافاً لشرعية أي تشكيل سياسي، فأبين التي قدمت القادة لا تقبل بأن تكون مجرد "رقم تكميلي" في معادلات الآخرين.
سيبقى أبناء أبين في حالة ترقب، يراقبون نتائج الرهانات الحالية، مؤمنين بأن التاريخ يُنصف الأوفياء في النهاية، وأن أي استقرار لا يمر عبر بوابة أبين هو استقرار منقوص وهش.
إن الحديث عن أبين هو حديث عن كرامة الجغرافيا وعظمة الإنسان.، لقد استُنزفت أبين بشرياً ومادياً، لكنها لم تُهزم سياسياً، تظل هذه المحافظة، بما قدمته من قوافل الشهداء وما أنجبته من دهاة السياسة، هي البوصلة التي تشير دائماً نحو الدولة، والقلب النابض الذي إذا تعافى، تعافى جسد الوطن بأكمله.
