الشاعر الشعبي مستور حمادي

1/4: من هو مستور حمادي؟

مسعود عمشوش

من المؤكد أن الشعر الشعبي بات اليوم أكثر تأثيرا في الناس وقربا من همومهم وواقعهم من الشعر الفصيح. وإذا كانت الشحر هي مركز الشعر الشعبي الحضرمي في الساحل والمشقاص، فسحيل سيؤن وامتداده في ضاحية مدودة هما مركز الشعر الشعبي في وادي حضرموت. ومن منّا لم يسمع بالمحضار وآل الحباني في الشحر ومستور حمادي وناصر يسلم بن ناصر وسالم عبد القادر العيدروس وعبيد محيندان قفزان وآل باحارثة في سيؤن؟

وهذا لا يعني أن ليس هناك اليوم عدد كبير من الشعراء الشعبيين الآخرين يصولون بجدارة في مدارات مطالع الشبواني وجلسات الدان في تريم وشبام والغرفة والمكلا وغيل باوزير وتاربة وغيرها من مدن وقرى حضرموت.

وبعد أن كرّسنا سنة 2020 كتابا لدراسة ست شاعرات شعبيات من حضرموت نشرنا سنة 2023 كتابا بعنوان (دراسات في الأدب الشعبي في حضرموت)، ضمنّاه دراسة لشعر وحكايات الأديب الشعبي الشبامي أحمد بركات، ودراسة أخرى عن أشهر شعراء بني مغراه في الوادي: عبيد محيندان قفزان. 

وفي السطور الآتية سنحاول أن نسلط قليلا من الضوء على بعض جوانب شعر أحد أبناء سحيل سيؤن: مستور سليمان حمادي. فعلى الرغم من المقالات القليلة التي كرست لمستور، التي لا تعدوا أن تكون في معظم الأحيان مجرد إشارات عابرة، لا يزال شعر مستور وكثير من الشعراء الشعبيين في حضرموت شبه مجهول، وبحاجة إلى دراسات متعمقة تركز على ما يتميّز به كل شاعر.

من هو مستور سليمان حمادي؟

ولد مستور سليمان حمادي سنة 1897 في حافة السحيل التي تعدُّ نواة مدينة سيؤن الطويلة بحضرموت. ولم تتمكن أسرته الفقيرة، التي كانت تمتهن حياكة الملابس، أن تؤمن له من يعلمه القراءة والكتابة، لذلك ظلّ أمياً حتى وفاته. وقد توفي والده، الذي كان من أبرز الشعراء الشعبيين المعروفين في حافة السحيل، وعمره لم يتجاوز الثالثة عشرة، وتربّى في كنف عمّه عـمر مع إخوانه الثلاثة أحمد وعمر وكرامه. 

ومنذ صغره ابتعد مستور عن حرفة أهله، إذ كان يميل إلى الطرب والغناء ورقصة (الشرح)، ويقال إنه كان يهرب من البيت ليلاً ليرقص في حلقات الشرح، ويعزف الناي (المزمار) ويضرب الهاجر (الطبل)، ويمارس كذلك الغناء إذ أن صوته كان شجيا وناعما. وعندما منعته أمه في إحدى الليالي من الخروج وأغلقت عليه الأبواب قفز من سطح البيت فانكسرت ثناياه.

وإضافة إلى الغناء والشرح كان الصبي مستور يعشق الشعر. فقد بدأ يرتجله بشكل عفوي وعمره اثنا عشر عاما فقط. وكانت قريحته مبدعة وخصبة، وكان يفتن نساء السحيل بصوته وشعره، ويبدو إن في إحداهن اتهمته بالجنون فعرفها وقال فيها هذين البيتين على صوت يافتاح يامطلوب (زينه وأحمد المدحي لهم سنتين يتهاوون ** يا فتاح يا مطلوب). فاشتكته المرأة إلى أبيه أولا ثم إلى السلطان منصور الكثيري الذي سجنه ثم أفرج عنه عندما تشفعن له نساء القصر بعدما سحرهن بقصيدة قال فيها: 

حليله تجدي الروحة مخلِّتنا كما هوب 

يا فتاح يا مطلوب 

خلونا سنه باغنّي من بعد السنة باتوب 

يا فتاح يا مطلوب 

وظل مستور طيلة حياته يهز راسه يمينا وشمالا؛ وسبب ذلك أنه أصيب في صغره بجرح في أحد كتفيه، ولم يندمل الجرح بسرعة وكان الطفل يحرك راسه لطرد الذباب عن الجرح إلى أن شفاه الله منه. إلا أن هزة الراس لازمته مدى الحياة. 

وفي عقدي العشرينيات والثلاثينيات لمع الشاعر مستور حمادي في وادي حضرموت وأصبح أحد الشعراء المرموقين، وشارك في المساجلات وجلسات الدان مع سالم عبد القادر العيدروس وسليمان بن عون وحداد بن حسن الكاف وخميس كندي، وفيما بعد مع تلميذه وجاره ناصر يسلم بن ناصر الذي قام بجمع معظم قصائده ومساجلاته ونشرها في مطلع الثمانينيات بالتعاون مع شعبة سيؤن لاتحاد الأدباء. 

ومن أبرز المساجلات الشعرية التي شارك فيها مستور حمادي تلك المساجلة التي جمعته مع ابن حافته الشاعر عبيد محيندان قفزان والشاعر الشعبي الأعمى محفوظ النجار، واستنكروا فيها حرب السلطان الكثيري والقعيطي ضد ابن عبدات أمير منطقة الغرفة الذي تمرد عليهما ودخلا معه في حرب بمساندة الطائرات والمدافع البريطانية.  

وقد كانت هذه المساجلة على النحو التالي :

قفـزان : يقول خـو الأربعة قفـزان ذي علة قــدر

المجلة في الأجــل وأهــل المناحة محزنـين

مستور: القبولة ما تصـلح ألا لـبن خالد عمـر

لـي سوس الحول والغرفــة ومثــوى بـا متـين

النجـار: متى بــاتـبـتني يـاذا المصـون بالمـدر

وأهل الجريدي من الخدمة ورآهم واقفين

قفـزان: ما تصلح ألا لبـاشادي لي يدفـرهـا سـتر

يخـرب ويبـني ولا يقعـد في الفـــاي الضخـين

مستور: الجلجل إلا غلي يا ويل أبوكم يالعصــر

الجلــجــل الا مصـون تــحـــت مــلــة بــامتين

النجـار: عصيــد مثنــاة كعدة حل مندرها خطـر

وانتي حسبتـيـة تحتـش يالوسيـعـه تـلقمـين

قفـزان: بنت بــاشراحيـل في الســروال لقت مصــر

اهلش من أهل التجارة من زمـن متقــدمــين

مستور: من امــس والحر يوقدنا ولا شفته مطــر

ما تمطــر الا عـلى حـذيه وهـيـنن والعنـين

النجـار: العـلب لي زحـف المنشـار وعيــال النجـر

يا لي سرحتوا في الجــذنة ضويتـوا زاحفين

قفـزان : حيــــدين متكـاشفة والنـاس في زره وحــر

أربع رحايا لقـوهـن مـا يدققـن الطـحـين

وقد أثارت تلك المساجلة حفيظة وأبيات أخرى السلطان علي بن منصور الكثيري الذي قام أولا بتوجيه تهديد شديد اللهجة للثلاثة وهددهم بأن يقطع ألسنتهم إذا عادوا لمثل هذا الكلام، ثم أمر بنفي قفزان وحمادي (تزويلهما) إلى سواحل شرق أفريقيا.

واستقر مستور حمادي سنوات في ممباسا الكينية (في السواحل) مهجر الحضارم، واستقبلته هناك الجالية الحضرمية بالترحاب وشارك هو في إحياء الكثير من جلسات الغناء والدان في مدينة ممباسا، وأبعد قليلا عنا الغربة عن مواطنيه وعبّر عن معاناتهم وتغني هناك بوطنه حضرموت.  

ومع بدايات المد الثوري في شرق إفريقيا وتصاعد العنصرية ضد العرب هناك عاد مستور حمادي إلى سيؤن وقضى فيها بقية حياته.  وبعد عودته لسيؤن شعر بشيء من الحنين لمدينة مُمباسا وتحديدا لحي (إنْقِلَن) والناس الذين قضى بينهم أوقاتاً جميلة وقال على صوت (ذا خَرَج فَصَل يكفي ما لقَته الهَويّه): 

(إنْقِلَن) ريتها تُقرُب إلَمّا (خَشامِر)

لَجْل من سار مااستَثقَل مَسيره 

ذِكْرَها لم يزَل يطْري على كُلّ خاطِر

لا دَقيقه ولا سَبعين مَخطَر 

وأهلها يطْلعُون الغَرب من قاعَة البير

وبعد الاستقلال سنة 1967 تفاعل مستور حمادي مع النظام الثوري الحاكم وشارك بشعره في الاحتفالات الوطنية. وفي سنة 1971 ألقى في الاحتفال بعيد العمال قصيده مسرحة حيّا فيها العمال والثوار قائلا: 

سلام عالقومية الجبهة وعا قوامها *** من شانها الثوار لي قعدوا ولي قدهم قيام 

وسلام عالعمال جملوا تحت ظل خيامها *** ما حد توخر منهم لي وقعوا تحت الخيام 

تحيا عروبتنا ويحيا شعبها هما مها *** والجوهرة متحركة متمكنة في راس هام 

وإلى جانب تميزه وتفوقه في الغناء والشعر كان مستور حمادي يتمتع بذاكرة ممتازة، فقد كان يحفظ الأشعار والحكايات الشعبية ويرويها بطريقة جذابة. وكان الأديب الحضرمي علي أحمد باكثيرشديد الإعجاب به في شبابه.  وعندما عاد باكثير من مصر إلى سيؤن سنة 1968 طلب اللقاء بمستور وجلس معه عدة جلسات تطارحا فيها ذكريات الشباب، وقام باكثير بتسجيل صوتي لما رواه له مستور من أشعار وحكايات خاصة بالشاعر العاشق ابن زامل بعد أن قرر أن يخرجها في قالب مسرحي. ولكن المنية وافته في العام نفسه. 

أما مستور حمادي، الذي استمر خلال السنوات السبع الأخيرة من حياته في تربع مطالع الشبواني وجلسات الدان في وادي حضرموت، إضافة إلى ممارسة مهنة بائع متجول للقهوة في سوق سيؤن، فقد توفي في سنة1975.

 يتبع 2/4 حب الغناء والطرب والدان في شعر مستور