أين أخطأ كتاب "الحركة الحوثية"؟ قراءة نقدية مسلّحة بالنصوص لمغالطات تفسير الحوثية وعلاقتها بالزيدية

وأنت تقرأ كتاب "الحركة الحوثية: دراسة منهجية شاملة، ثمة سؤال مشروع لا بد أن يُلح عليك:
ما الذي يدفع باحثاً إلى بذل هذا الجهد في إثبات أن الحوثية انتقلت من الزيدية إلى الاثني عشرية، بدلاً من البحث في علاقتها بالزيدية الهادوية نفسها؟ 
ما الذي يجعل الفصل بين الحوثي وتراثه الزيدي هاجساً منهجياً يتكرر في كل فصل؟ 
ولماذا يُصرّ الكتاب على تحميل إيران وحدها المسؤولية الفكرية، مع الإبقاء على الزيدية الهادوية في موضع التبرئة أو على الأقل التخفيف؟
هذا ليس اتهاماً للنية، بل ملاحظة منهجية: أن ثمة منظومة فكرية متكاملة، حاضرة بقوة في الأوساط الأكاديمية والدينية اليمنية وخارجها، تسعى إلى فصل الحوثية عن جذرها الزيدي الهادوي وإلصاقها بالتمدد الإيراني الاثني عشري. 
هذا الفصل مريح لأطراف عدة: يريح فقهاء السلالة الزيود الذين يرفضون فضح عقيدتهم، ويريح من يريد توجيه المواجهة نحو طهران فحسب، ويريح من يجد في الحفاظ على الزيدية بوصفها مذهبا معتدلا مصلحة سياسية أو اجتماعية، وهم للأسف من علماء السنة او باحثيها، وستجد اغلبهم من فرع من فروع السلالة لا خارجها.
والحقيقة أن محاولة تكريس هذا الفصل لا تصمد أمام الحقيقة والشواهد، ولا أمام النصوص الزيدية والسلوك الامامي الزيدي، فالحوثية ليست اختراقا اثني عشريا للزيدية، بل هي الزيدية الهادوية في لحظة امتلاكها القوة، وهذا الفارق يحدد طبيعة الأمر كلياً: من يعتقد أن المشكلة إيرانية يبحث عن حل إقليمي، ومن يعتقد أنها زيدية هادوية في جذرها يبحث عن حل فكري وثقافي أعمق وأصعب وأضرى، وكلاهما مهم، لكن الأخطر والأكثر أهمية هو البعد الثاني، فلن يلبث الارتباط الإقليمي ان يتلاشى عاجلا أم آجلا.

أولاً: مغالطة تصوير الحوثية كاختراق اثني عشري للزيدية
يبني الكتاب جزءاً كبيراً من تحليله على فرضية أن الحوثيين غادروا الزيدية الأصلية واتجهوا نحو الاثني عشرية، وكأن الزيدية في أصلها كانت بعيدة عن المشروع الإمامي المغلق، ثم طرأ عليها التحول لاحقا بفعل التأثير الإيراني.
هذه المقاربة تتجاوز حقيقة جوهرية: أن المرتكزات التي يقوم عليها المشروع الحوثي ليست دخيلة على الزيدية الهادوية، بل تشكل جزءاً من بنيتها العقدية منذ نشأتها مع قدوم الكاهن يحيى بن الحسين الرسي. والأدلة على ذلك من المصادر الأولية لا تقبل التأويل.
في كتابه الأحكام في الحلال والحرام، يصرّح يحيى بن الحسين الرسي، مؤسس الزيدية الهادوية، بأن الإمامة شرط للإيمان: 
«ولا يتم للإنسان اسم الإيمان حتى يعتقد بإمامة علي بأيقن الأيقان»، 
ثم يذهب أبعد: «من أنكر أن يكون علي أولى الناس بمقام رسول الله، فقد رد كتاب الله، وكان عند جميع المسلمين كافراً» (الأحكام، ج1، ص21). وهذا النص من القرن الثالث الهجري يكشف أن التكفير بسبب الإمامة سابق بقرون على أي تأثير إيراني.
ولا يقف الأمر عند الاعتقاد، بل يمتد إلى منظومة متكاملة من الممارسة السياسية. يقول الرسي صراحةً: «من قاتلنا فقد حل لنا دمه وماله ودياره» (مجموع الرسائل، ص632). ثم يبلغ الغلو أن يجعل طاعته بديلاً عن الشخص النبوي حين يقول: «والله لئن أطعتموني ما فقدتم من رسول الله إلا شخصه»، وهي العبارة التي يرددها الحوثيون بالنص الحرفي اليوم، بديلاً عن عبدالملك الحوثي.
أي أن التطابق البنيوي ليس تأثراً وراثياً، بل إعادة إنتاج نصية حرفية لتراث لم ينقطع.

ثانياً: مغالطة اعتبار الزيدية أقل خطراً من الاثني عشرية
من أبرز الإشكالات الضمنية في الكتاب أنه يوجّه التركيز الأكبر نحو الاثني عشرية بوصفها مصدر الخطر الأساسي، بينما تبدو الزيدية في الخلفية وكأنها نسخة أقل خطورة أو أكثر اعتدالاً.
هذا التصور يتعارض مع طبيعة الزيدية السياسية نفسها. صحيح أن الاثني عشرية تحصر الإمامة في اثني عشر إماماً، وتنتهي بفكرة الإمام الغائب. أما الزيدية الهادوية فتفتح باب الإمامة إلى ما لا نهاية؛ يقول أحمد بن يحيى المرتضى في «المنية والأمل»: «الإمام في كل زمان من وُجد فيه الشرائط، ودعا إلى نفسه، وبايعه الناس، فهو الإمام، سواء كان هناك من سبقه أم لا» (المنية والأمل، ص81). 
بل يضيف يحيى بن الحسين في «الأحكام»: «من خرج منهم داعياً إلى كتاب الله وسنة نبيه، جامعاً للشرائط، فهو أولى بالإمامة، ولو خرج إمامان قُدّم الأفقه والأشجع».
النتيجة العملية لهذا المبدأ: اليمن عاش قروناً من الصراع بين أئمة متعددين في آنٍ واحد، يتقاتلون فيما بينهم، وكلٌّ يزعم أنه أحق بالإمامة. وصل الأمر إلى خمسة أئمة يتحاربون في وقت واحد، والضحية دائماً اليمنيون. هذا النموذج المفتوح جعل الزيدية أكثر قدرةً على إعادة إنتاج الصراع من الاثني عشرية ذات الإمام الواحد الغائب.
يقول عبدالله بن حمزة بوضوح قاطع: «الزيدية على الحقيقة هم الجارودية، ولا نعلم في الأئمة من بعد زيد بن علي من ليس بجارودي» (العقد الفريد، ص112). 
والجارودية تعلن صراحةً أن الأمة كلها ارتدت بعد النبي لأنها لم تُبايع علياً، وهو الموقف ذاته الذي تحمله الاثني عشرية، بل إن الكليني يورد في «الكافي» (ج8، ص245): «كان الناس بعد النبي أهل ردة إلا ثلاثة: المقداد، وأبو ذر، وسلمان»، وهؤلاء الثلاثة هم من تصلي عليهم الزيدية باعتبارهم المنتجبون دون بقية الصحابة، فالتطابق إذن ليس في السلوك وحده، بل في العقيدة الجذرية.

ثالثاً: مغالطة الفصل بين الحوثي والتراث الزيدي التاريخي
يتعامل الكتاب مع الحوثيين بوصفهم تنظيماً معاصراً متأثراً بإيران أكثر من كونهم امتداداً تاريخياً للإمامة الزيدية. بينما تكشف المصادر الأولية حجم التشابه البنيوي بين الإمامة التقليدية والحوثية المعاصرة.
خذ مثلاً ما يفعله الحوثيون من جباية الأموال باسم الخُمس: هذه ليست ابتكاراً حوثياً. يقول الرسي: «والزكاة كلها إلى إمام المسلمين من ولد رسول الله» — والزكاة في تأصيله لا تعود حقاً للفقراء كما في الإسلام، بل تتحول إلى مورد سياسي تحت يد الإمام يبني به سلطته ويوسع حروبه. ثم يُكمل الكاهن عبدالله بن حمزة هذا النهج فيصف اليمن بـ«دار حرب» ويُبيح نساءهم: «دماؤهم وأموالهم ونساؤهم حلال علينا، وقتلهم قربة إلى الله» (كتاب الفوائد).
وقد وصل الأمر بابن حمزة إلى تحريم الزواج لهاشمي من غير هاشمية، تكريساً للتمييز الطبقي القائم على النسب. وحين اعترض عليه معترض على نهب أموال اليمنيين ردّ باستهزاء صريح: «لا أخاف أن يسألني الله عما أخذت منهم، بل على ما أبقيته لهم».
ما يفعله الحوثي اليوم، من اختطاف وقتل ونهب وهدم، ليس انحرافاً فردياً، بل له سلسلة سند نصية موثقة في كتب الأئمة. يقول الإمام الزيدي القاسم بن محمد ورداً على من انتقد تدميره وإحراقه: «وبالهادي عليه السلام وبغيره من الأئمة اقتديت»، ثم يعدد جرائم أسلافه التي يعدّها قدوة.
وستجد بسهولة تطابقا كليا في الخطاب الحوثي التبريري للجباية والقتل والتهجير والتعظيم للكاهن عبدالملك واخيه الصريع حسين، مع نصوص وتراث الزيدية وأئمتها، ومن غير المنطقي أن تتجاوز كل هذه الحقائق التي تشير بوضوح الى الجذر الزيدي، لتبحث عن عدوا هو ثانيا، لتجتهد في جعله أس المشكلة اليمنية.

رابعاً: مغالطة «التعايش الزيدي السني»
يقع الكتاب بصورة غير مباشرة تحت تأثير السردية التي روجت وتروج لتعايش زيدي مع اليمنيين، الذي لا ينطبق مطلقا مع لحظات القوة التي شعرت فيها الزيدية بالقوة، فتحولت الى أداة بطش قاتلة، ومارست فرض العقيدة، وكفر فيها الائمة اليمنيين وحاربوهم تحت مبرر الطاعة والانقياد لهم، فاذا ما غابت قوتهم، وهو في غالب تاريخ اليمنيين، اظهروا التعايش الكاذب، ومارسوا التقية في أوقات ضعفهم.
والتقية مؤصَّلة نصياً في المذهب الزيدي الهادوي. يقول الكاهن القاسم العياني في مجموعه (ص419) عن بيعة علي لأبي بكر: «إن علي بن أبي طالب وسعته التقية، كما وسعت رسول الله»، وهو نص يجعل البيعة نفاقاً مشروعاً. ويقول عبدالله بن حمزة: «الصلاة خلفهما كانت على وجه التقية» (مجموع رسائل المنصور، ص357).
وقد كشف حسين الحوثي هذه الآلية بوضوح في محاضراته حين قال: «سكتنا عن أبي بكر وعمر، فلم يحترموا مشاعرنا». أي أن الصمت لم يكن قناعةً، بل تكتيكاً انتهت مدته. وما إن تمكّنت الجماعة حتى أصبح سبّ الصحابة علناً من المنابر في صنعاء وذمار وإب.
لذلك فإن ما يُسمى التعايش الزيدي السني يصف حالة ميزان القوى لا تحولاً فكرياً. فترات الهدوء مرتبطة بضعف الإمامة عسكرياً وسياسياً، وأما حين امتلكت القوة فعادت الحروب والجبايات والتكفير بصورة متكررة عبر التاريخ.
ودائما ما نورد التحدي المستمر: هاتوا لنا اماما واحدا تاريخه يخلوا من البطش والقتل وتدمير مآثر اليمنين ومقدساتهم.

خامساً: مغالطة اختزال الحوثية في البعد الأمني والسياسي
ركّز الكتاب بصورة كبيرة على الدعم الإيراني والبعد العسكري والصراع السياسي. وهي جوانب مهمة بلا شك، لكنها لا تكفي لفهم طبيعة المشروع الحوثي الذي يعمل في ثلاثة مستويات متوازية: القوة المسلحة، والسيطرة على الدولة، والهيمنة على الوعي.
المستوى الثالث هو الأخطر والأطول أمداً. يقرر الكاهن يحيى الرسي: «العقل لا يُدرك الإمامة، وإنما يُعرف الحق من خلالها، فهي باب الهداية، ونور السماء في الأرض» (أصول الدين، ص88)، وهو نص يُلغي أي دور للعقل النقدي ويجعل القبول بالإمام شرطاً للتفكير الصحيح. وقد ترجم الحوثيون هذا النص إلى سياسة تعليمية فعلية: وثائق صادرة عن وزارة التربية في صنعاء المحتلة تُدرج تعليمات بوجوب تدريس ملازم حسين الحوثي قبل التفسير والحديث.
المراكز الصيفية، وتغيير المناهج، وصناعة القداسة، والسيطرة على الخطاب الديني، وإعادة كتابة التاريخ، ليست تفاصيل هامشية بل جوهر المشروع نفسه. الحوثي يدرك أن السيطرة الحقيقية تبدأ من تشكيل العقول. وهذا الفهم غائب عن تحليل الكتاب الذي ظل يدور في فلك التحليل الأمني.

سادساً: مغالطة التحول بدلاً من الامتداد
يتعامل الكتاب مع الحوثية باعتبارها حالة تحول من الزيدية إلى الاثني عشرية. بينما يبدو التوصيف الأدق أنها امتداد وتطوير وتحالف بين مشروعين متشابهين في الجوهر.
الدليل على هذا التوصيف يأتي من الوثيقة الفكرية والثقافية الزيدية الصادرة عام 2012 بإشراف عبدالملك الحوثي وفقهاء الزيدية أنفسهم. تقول الوثيقة في باب الاصطفاء: «نعتقد أن الله اصطفى أهل بيت رسوله فجعلهم هداة للأمة وورثة للكتاب من بعد رسول الله إلى أن تقوم الساعة، وأنه يجيء في كل عصر من يكون مناراً، ومنهجيتنا في إثباته وتعيينه هي منهجية أهل البيت».
هذه الوثيقة صدرت بعد ما يزيد على ألف ومئة سنة من وفاة الرسي، وهي لا تزال تستخدم اصطلاحاته الحرفية، فمبدأ الاصطفاء السلالي هو الركيزة الأولى في كتاب الأحكام منذ القرن الثالث الهجري، ومبدأ وراثة الكتاب وحصره في العترة هو ما قرره الكاهن الرسي طبطبا بقوله إن أهل البيت «قرناء القرآن وخزنة الوحي وورثة الأنبياء والمصدر الحصري للعلم والشرع» (أصول الدين، ص106). والعلاقة بين الطرفين، الزيدية والاثني عشرية، ليست انتقالاً من هوية إلى أخرى، وإنما اندماج بين نسختين من المشروع الإمامي واستيراد تجربة إيران في التعبئة والتنظيم.

خاتمة: الجذر أعمق مما رصد الكتاب
تكمن أهمية أي دراسة فكرية في قدرتها على الوصول إلى الجذر الحقيقي للمشكلة. وقد وصف كتاب «الحركة الحوثية» عددا من أخطار الجماعة وتتبع جانب من علاقتها بإيران، لكنه لم يذهب، عامدا او مهملا، إلى تفكيك البنية الزيدية الهادوية التي أنتجت الحوثية تاريخياً.
المشكلة لم تبدأ مع إيران، ولم تبدأ مع حسين الحوثي. بدأت مع نص كتبه يحيى بن الحسين الرسي في القرن الثالث الهجري، هذا الجذر قابل لإعادة إنتاج نفسه في كل جيل وتحت أي مسمى، لأنه يوفر شرعية دينية لمن يمتلك دعوى النسب، ويمتلك والسيف. وإنهاء النفوذ الإيراني وحده لا يعني انتهاء المشكلة ما دامت البنية الفكرية التي أنتجت الحوثية أقدم من نظام الولي الفقيه بعشرة قرون.
ومن دون مواجهة هذا الجذر الفكري والتاريخي، ستبقى أي معالجة ناقصة، وسيظل المشروع قادراً على إعادة إنتاج نفسه بأسماء وصيغ مختلفة، من الرسي إلى المتوكل إلى شرف الدين إلى الحوثي، ولن تنتهي السلسلة ما لم يُجرَّم الفكر الذي ينتجها.