بين الأزمة والاصلاح: خطوات أولى في مسار التعافي الاقتصادي
في الأزمات الكبرى، لا مكان للحلول السريعة… وهو ما يعكس بداية انتقال الحكومة من إدارة الأزمة الى محاولة معالجتها، حتى وإن كانت محدودة، فإن قيمتها الحقيقية في كسر الجمود لا في حجمها.
ومن المؤكد أن الدول لا تخرج من أزماتها الكبرى بالقفزات المفاجئة، بل عبر مسارات تراكمية تبدأ بقرارات تعيد للدولة شيئاً من قدرتها على التماسك، وللمواطن شيئاً من الثقة بأن مؤسسات الحكم ما تزال تستشعر معاناته.
وفي ظل واقع تتآكل فيه القدرة الشرائية يوماً بعد آخر، وتغدو فيه المرتبات عاجزة عن تغطية ابسط الاحتياجات الضرورية للأسرة، تبدو مخرجات اجتماع مجلس الوزراء اليوم اقرب إلى اول الغيث، كخطوة إصلاحية مهما بدت محدودة، لكنها ذات اهمية سياسية واقتصادية لا يمكن التقليل منها.
إن اعتماد بدل غلاء معيشة بنسبة 20٪ لموظفي الدولة، الى جانب تحريك ملفات التسويات الوظيفية المتوقفة منذ اكثر من ثلاثة عشر عاماً، وتنفيذ العلاوات السنوية المجمدة منذ عام 2021، لا يمثل حلاً جذرياً للأزمة المعيشية الخانقة، لكنه يعد خطوة الى الأمام في ظرف استثنائي تخوض فيه الدولة واحدة من اعقد معاركها الاقتصادية؛ معركة ضعف الإيرادات، وتراجع الموارد، واختلال البنية المالية، في ظل سيطرة مراكز النفوذ على كثير من مقدرات الدولة ومصادر دخلها.
لا ريب أن هذه الزيادة في بدل غلاء المعيشة، مهما كان حجمها، لن تنهي فجوة الاحتياجات المتسعة، غير أن الجمود الكامل يظل أكثر خطورة من الإصلاح المتدرج. حيث لم تتوقف مخرجات الاجتماع عند الجانب المعيشي فحسب، بل امتدت الى تشكيل اللجنة العليا للمناقصات واصلاح الاقتصاد الوطني، وبالتالي من المتوقع أن يتم تحريك الملفات الراكدة الأخرى المرتبطة بمسار الإصلاح الاقتصادي والمؤسسي. وهذا الأمر يمثل خطوة اخرى افضل من ابقاء هذه الملفات رهينة الادراج والوعود المؤجلة، كونه يمتد الى بعد مؤسسي وإداري يرتبط بإصلاح آليات العمل وتعزيز الشفافية، ويفتح آفاقاً اوسع امام مسار التعافي الاقتصادي.
لا شك أن أهمية هذه القرارات تكمن في بعدها المالي المباشر، وكذلك في دلالتها السياسية والإدارية، إذ تعكس توجهاً نحو اعادة تنشيط مؤسسات الدولة واستعادة جزء من دورها الوظيفي والخدمي، كما تتجاوز هذه الاجراءات حدود الاستجابة الآنية للضغوط المعيشية لتشكل مؤشراً على محاولة اعادة ضبط مسار الأداء المؤسسي للدولة ولو بصورة تدريجية، فالاصلاح الحقيقي لا يقاس بحجم القرارات وحدها، بل بقدرتها على تحويل الجمود الى حركة، واستعادة الثقة بأن مؤسسات الدولة ما تزال قادرة على الفعل والتأثير.
إن هذه الخطوات ـ رغم محدوديتها ـ تظل جزءاً من مسار اطول واعقد، غير أن تجاهلها او التقليل من اهميتها لا يقل خطورة عن المبالغة في التعويل عليها؛ فالتوازن بين الواقعية والطموح هو ما يحدد في النهاية امكانية الانتقال من ادارة الأزمة الى بداية التعافي.



