أزمة الكهرباء.. وجه آخر لاقتصاد الحرب وشبكات النفوذ
في اليمن، لم تعد أزمة الكهرباء مجرد خلل فني او عجز اداري يمكن تجاوزه بقرار حكومي او شحنة وقود طارئة، بل تحولت مع مرور السنوات الى واحدة من اكثر الملفات ارتباطاً بشبكات المصالح والنفوذ التي نشأت في ظل الحرب والانقسام. ولهذا، فإن اي محاولة لإعادة الكهرباء الى وضعها الطبيعي لا تواجه فقط تحديات مالية وتقنية، بل تصطدم ايضاً بمنظومة واسعة من المستفيدين الذين راكموا النفوذ والثروة من استمرار الأزمة وبقاء الناس رهائن للظلام.
ما شهدته عدن امس من انقطاع للكهرباء لساعات طويلة، وما سببه من معاناة للمواطنين في ظل حرارة الصيف، كشف حجم التعقيد الذي يحيط بهذا الملف. ورغم أن وزير الكهرباء عدنان الكاف تمكن من احتواء الأزمة وإعادة التيار للخدمة، الا أن المشكلة تبدو اعمق من مجرد عطل طارئ او نقص في الوقود.
كان الله بعون الوزير والشعب معاً، لأن المعركة ليست فقط مع انقطاع التيار، بل مع منظومة اقتصاد حرب متكاملة تعبث باقتصاد الدولة وتغذت طويلاً على استمرار الأزمات. فأزمة الكهرباء لا تنفصل عن شبكات نفوذ تضم سماسرة البترول والديزل، وتجار الطاقة البديلة، والمستفيدين من عقود تأجير محطات الكهرباء، وجميعهم يرون في استقرار خدمة الكهرباء تهديداً مباشراً لمكاسبهم.
وهنا تكمن خطورة المشهد؛ إذ لم تعد بعض الأزمات ناتجة فقط عن ضعف الدولة، بل تحولت بالنسبة للبعض الى مصدر دائم للنفوذ والربح. ولذلك، فإن اي اصلاح حقيقي لا يقتصر على توفير التمويل او اصدار القرارات، بل يبدأ باستعادة الدولة لقرارها من قبضة المصالح المتشابكة التي عطلت المؤسسات واضعفت قدرتها على التنفيذ.
إن خلخلة هذه الشبكات او إضعافها هي الخطوة الاساسية الأولى لبناء دولة قادرة على إدارة مواردها وخدمة مواطنيها، بعيداً عن اقتصاد الأزمات الذي ازدهر في زمن تراجع أداء مؤسسات الدولة بما فيها انهيار منظومة الكهرباء.



