اغتيال دنبع ووساطة بن بريك وتفاصيل بأرقام ووثائق!!.. من طفل المعلا إلى طفل الممدارة تحقيق يكشف كواليس وخفايا عمليات (اغتصاب الأطفال) في عدن

أظهرَ تحقيق استقصائي موسع تنامي ظاهرة جرائم اغتصاب وابتزاز الأطفال في العاصمة المؤقتة عدن، مرجعاً استمرارها إلى حماية وتدخلات قيادات أمنية وعسكرية نافذة لمنع ملاحقة الجناة.

اغتيال دنبع ووساطة بن بريك وتفاصيل بأرقام ووثائق!!.. من طفل المعلا إلى طفل الممدارة تحقيق يكشف كواليس وخفايا عمليات (اغتصاب الأطفال) في عدن

تحقيق (الأول) ضياء عبدالرحمن الشهابي: 

أثارت قضية اغتصاب طفل في العاصمة عدن، عقب انتشار مقطع فيديو صادم على منصات التواصل الاجتماعي، موجة غضب واسعة ومطالبات بفتح تحقيق شفاف ومحاسبة المتورطين. كما فتحت هذه القضية الباب على مصراعيه أمام جرائم اغتصاب متكررة تشترك فيها عدة عوامل قد يكون أبرزها طبيعة ارتباطات مرتكبيها بجهات سياسية وأمنية، وهو ما يستوجب العودة إلى جذور هذه الجرائم التي تهز الرأي العام وتكشف عن معضلة سياسية وأمنية واجتماعية ترتبط بالحرب وتداعياتها.

أولاً: تفاصيل الجريمة التي هزّت الضمير الجمعي
في مايو 2018، هزت جريمة اغتصاب طفل يبلغ من العمر تسع سنوات في منطقة المعلا بمدينة عدن اليمنيين. لم تكن الواقعة مجرد جريمة بشعة، بل تحولت إلى قضية رأي عام كشفت تعقيدات المشهد الأمني في عدن وتداعيات الحرب على النسيج الاجتماعي، وانتهت بمأساة إضافية تمثلت في اغتيال شاهد الإثبات الوحيد.

كيف اكتُشفت الجريمة؟
وفقاً لتحقيق استقصائي نشرته صحيفة "الأيام" (2018)، كان المتهم الأول (ع.ج) بحوزته هاتف محمول، قدّمه إلى أصدقائه ليشاهدوا عليه "لعبة"، لكنهم فتحوا ملفات الفيديو ليتفاجؤوا بمقطع "غير إنساني" يوثق جريمة الاغتصاب.
هنا، أبلغ أحد أصدقاء المتهم شرطياً من أبناء الحي نفسه، فصُدم الأخير وهرع إلى المتهم لإلقاء القبض عليه. وعندما حاول المتهم الهرب، أطلق الشرطي النار عليه. بعدها علم والد الطفل بالخبر، وتحرك لإبلاغ مركز الشرطة التي عملت على القبض على باقي الجناة.
المتهم (ع.ج).. زعمت السلطات مقتله أثناء مطاردته للقبض عليه 

التحقيقات كشفت عن هوية الجناة وضحايا آخرين
بحسب التحقيقات التي أُجريت حينها، والتي أشرف عليها العميد صالح القُملي (وفقاً لتصريحات سابقة له لوسائل إعلام محلية)، فقد تبين الآتي:
· الجناة: أربعة جنود مستجدين من سكان حارة الكبسة أنفسهم وهم:   1. (ع.ج) – صاحب الهاتف    2. (ح.م) .   3. (م.ش)   4. (ص.ص) · الطفل الضحية الرئيسي: (س.ع)، يُعرف بلقب "ميسي"، في العقد الأول من عمره، من أسرته من محافظة إب وتعيش في عدن منذ 1994. · ضحايا آخرون: ثلاثة أطفال آخرين، بينهم اثنان تعرضا للاغتصاب على يد المتهم الرابع (ص.ص)، الذي كان يستدرجهما عبر إعطائهما شجرتي "ديمان" و"حُمر" (تمر هندي) في منزله، ويهددهما بمسدسه.

نقاط مهمة من التحقيقات (وفقاً للعميد صالح القملي):
· تم استكمال التقرير الطبي الذي أثبت واقعة الاغتصاب. · بعض المتهمين اعترفوا والبعض الآخر أنكر، لكن "الدليل القاطع كان مقطع الفيديو في يد النيابة". · تم ضبط الهاتف المحمول الخاص بالمتهم (ع.ج)، ورغم حذفه لمقطع الفيديو، تم العمل على استعادته فنياً.

نمط خطير في استدراج الأطفال
كشفت التحقيقات عن نمط مروع في استدراج الأطفال ، حيث أفاد أحد الآباء (من سكان الحي) لصحيفة "الأيام" بأن ابنه البالغ 10 سنوات تعرض لمحاولة استدراج قبل شهرين من قبل طفل آخر يُدعى (م.ن.أ)، كان يهدد الضحية الصغير بأنه "شاهده في مقطع مصور خليع له"، ويطالبه بالحضور إلى أحد أفراد العصابة، وإلا سينشر الفيديو. قال الأب: "هذا الادعاء كان كاذباً، والغرض منه إجبار طفلي على التجاوب".

ثانياً: صلة المتهمين برجال الأمن والقيادات السياسية
وفقاً لمصادر محلية وأمنية فضّلت عدم الكشف عن هويتها لنا ، فإن أحد المتهمين في قضية طفل المعلا (المتهم الرابع ص.ص) كان يتمتع بحماية أمنية غير معلنة، ما أثار تساؤلات حول إمكانية تدخل جهات نافذة لإعاقة سير العدالة. كما أشارت المصادر ذاتها إلى أن بعض رجال الأمن في المنطقة حاولوا في البداية التغطية على الحادثة قبل أن يتسبب انتشار الفيديو في إجبارهم على التحرك.
كما كشفت منصة "خيوط" الاستقصائية (2020) أن المتهمين الأربعة كانوا على صلة مباشرة بأفراد من قوات الأمن الخاصة ( مكافحة الإرهاب ) التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، ما فسّر التأخير في إلقاء القبض عليهم رغم توفر الأدلة.

ثالثاً: المتهم الرابع (ص.ص) – بين الوفاة المعلنة ورواية التهريب
زعمت الجهات القضائية سابقاً عن وفاة المتهم الرابع (ص.ص). لكن مصادر مطلعة على سير التحقيقات أكدت لـ"التحقيق" أن هناك قولاً آخر يفيد بأنه لم يمت، بل جرى تهريبه إلى خارج اليمن بمساعدة جهات أمنية نافذة.
وحتى لحظة نشر هذا التحقيق، لم نتمكن من الحصول على وثائق طبية أو قضائية تؤكد وفاة (ص.ص) بشكل قاطع، في حين يطالب نشطاء حقوقيون بفتح تحقيق مستقل في هذه الرواية.

رابعاً: مقتل الشاهد الوحيد "رأفت دنبع" وتدخل هاني بن بريك
في العام 2019، أفرزت هذه الجريمة جريمة أخرى باغتيال رأفت دنبع، شاهد الإثبات الوحيد في القضية. فقد اختُطف دنبع من أمام منزله في 3 مارس 2019 على يد وحدة تابعة لقوات مكافحة الإرهاب "المدعومة إماراتياً" بقيادة يسران المقطري، ثم تم تصفيته. وأدت هذه الحادثة إلى مظاهرات غاضبة في عدن أحرق فيها المحتجون أعلام الإمارات.
وبحسب مصادر مقرّبة من أسرة دنبع، فإن القيادي في المجلس الانتقالي الجنوبي، هاني بن بريك، قام بزيارة منزل الشهيد رأفت دنبع في محاولة لإقناع أسرته بقبول "تسوية" توقف التحقيقات مقابل تعويض مالي. وأكدت المصادر ذاتها أن الأسرة رفضت هذه الوساطة بشكل قاطع، وتمسكت بحقها في كشف القتلة ومحاسبة مرتكبي جريمة الاغتصاب. ولم يصدر أي تعليق رسمي من مكتب هاني بن بريك حول تفاصيل هذه الزيارة .

خامساً: قصة "طفل البساتين".. اغتصاب وقتل وحشي هزّ عدن
في سياق جرائم الاغتصاب المروّعة التي شهدتها عدن، برزت قضية الطفل محمد سعد أحمد مسعود البارودي (12 عاماً)، والتي وقفت كعلامة فارقة على وحدة الجريمة وانتهاك الطفولة بأبشع صورها.

تفاصيل الجريمة:
في العام 2018، اختُطف الطفل محمد في منطقة البساتين بمديرية دار سعد شمال عدن. وبحسب وثائق التحقيق التي اطلعت عليها "المحكمة الجزائية المتخصصة بعدن" (القضية رقم 89 لسنة 2018)، فقد تعرض الطفل لعملية اغتصاب وحشية أعقبتها جريمة قتل بشعة، حيث أقدم عليه ثلاثة متهمين: رجلان وامرأة.

الجناة وطريقة الإيقاع:
· وضاح رفعت ومحمد خالد (الفاعلان الرئيسيان) وكانا على ارتباط بالحراك الجنوبي والمقاومة التابعة له في الحرب التي شهدتها عدن في عام 2015 · بلقيس فرحان (المرأة التي ساعدت في استدراج الضحية)
وفقاً لاعترافات المتهمين أمام النيابة (حصل "التحقيق" على نسخة منها)، قامت المتهمة بلقيس باستدراج الطفل محمد إلى منزل المتهمين بحجة شراء مواد غذائية، وعند وصوله هناك أُغلق عليه الباب وتعرض للاغتصاب الجماعي، ثم قُتل خنقاً للتخلص من الأدلة.

التحقيقات والاعترافات:
كشفت التحقيقات (المصدر: ملف القضية – محكمة عدن الابتدائية) أن المتهمين كانوا تحت تأثير مواد مخدرة وقت ارتكاب الجريمة. كما تبين أن الجانيين سبق أن ارتكبا جرائم مماثلة بحق أطفال آخرين في المنطقة، لكن لم يتم الإبلاغ عنها خوفاً من العار.

سادساً: الإحصائيات – جرائم الاغتصاب والابتزاز في عدن بالأرقام
وفقاً لتقارير أممية ومحلية، فإن ظاهرة الاغتصاب والابتزاز الجنسي للأطفال والفتيات في عدن شهدت تصاعداً مقلقاً خلال سنوات الحرب:
· تقارير الأمم المتحدة (2021-2023): رصدت أكثر من 1,200 حالة عنف جنسي ضد الأطفال في جنوب اليمن، بينها 47% في محافظة عدن وحدها، مع اعتراف بوجود "فجوة كبيرة في الإبلاغ" بسبب الخوف والوصم الاجتماعي. (المصدر: تقارير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان – تقرير اليمن 2022، 2023) · المنظمة اليمنية لحماية الأطفال (2022): وثّقت 342 حالة اغتصاب وابتزاز جنسي لأطفال (بينهم 89 طفلاً دون سن 12 عاماً) في عدن خلال عام واحد فقط. (المصدر: التقرير السنوي للمنظمة اليمنية لحماية الأطفال – 2022) · شبكة "رصد" للحقوق والحريات (2023): أشارت إلى أن 73% من مرتكبي هذه الجرائم إما ينتمون إلى أطراف مسلحة أو يتمتعون بحماية جهات أمنية. (المصدر: تقرير "الانتهاكات الجنسية في مناطق النزاع" – شبكة رصد، 2023)

سابعاً: قضية جديدة تهز عدن.. اغتصاب 8 أطفال 
لم تتوقف جرائم الاغتصاب عند قضية "طفل المعلا" و"طفل البساتين"، بل ظهرت مؤخراً قضية جديدة كشفت عن نمط أكثر تنظيماً وإجراماً، تورط فيها الركن الطبي في لواء منير الزبيدي، محمد صالح الجحافي (المصدر: تقارير إعلامية محلية ومنشورات لناشطين، 2024-2025).

كيف كان يعمل؟
بحسب مصادر متطابقة، فإن الجحافي كان يستخدم فتى قاصر كـ "صياد" لاستدراج ضحاياه من الأطفال في منطقة الممدارة بعدن، مستعيناً بالمشروبات المخدرة لتخديرهم ثم اغتصابهم وتصويرهم، ليبتزهم لاحقاً. وكشفت التحقيقات أن عدد ضحاياه بلغ 8 أطفال على الأقل خلال عامي 2024 و2025 فقط.

التدخلات لإفلاته من العدالة:
لكن الجانب الأكثر خطورة في القضية هو ما كشفته التحقيقات من تدخل قيادات أمنية وعسكرية لإفلات الجاني من العقاب:
· تشير المعلومات إلى أن مدير أمن عدن مطهر الشعيبي تلقى توجيهات بالإفراج عن الجحافي بطلب من القيادي منير الزبيدي (قائد عسكري بارز في المجلس الانتقالي الجنوبي). · نتيجة للغضب الشعبي، أصدرت السلطة المحلية في عدن قراراً بإيقاف مدير شرطة الممدارة جلال الصبيحي عن العمل، كأول إجراء رسمي، وذلك لمحاولة تحميله مسؤولية الإفراج عن المتهم. · لاحقاً، وجه النائب العام  بـ "القبض الفوري والقهري" على الجحافي .
هذه القضية تمثل أحدث وأوضح نموذج على ارتباط جرائم الاغتصاب بقيادات سياسية وأمنية نافذة، وتكشف نمطاً متكرراً من التدخل لحماية الجناة.
هنالك نمط متشابه وعوامل مشتركة بين جميع الجرائم السابقة مايؤكد عمل المتهمين ضمن شبكة أو عصابة منظمة أو شبه منظمة مدعومة ومحمية من قبل قيادات سياسية وأمنية في عدن ( من بيان لمنظمة سياج لحماية الطفولة بشأن جريمة اغتصاب طفل الممدارة) : 
بشكل مقتضب ، فإن مايجمع بين هذه الجرائم :  - التصوير : جرائم الاغتصاب خضعت للتصوير والحفظ ضمن مقاطع فيديو ..
- ضلوع مجندين أمنيين او من لهم ارتباط باجهزة امنية وعسكرية في ارتكاب تلك الجرائم او التغطية عليها .
- حدوث تدخلات من سلطات سياسية عليا لمحاولة احتواء تلك القضايا أو طمسها وإخفائها .
- جميع من تعرضوا للاغتصاب أو للاستدراج أطفال وقُصَّر .

*هنالك قضايا أخرى ترتبط بهذا الملف ارتباطاً وثيقاً ألا وهي ظاهرة اغتصاب في السجون أو خارجها لذكور بالغين وكذلك نساء من مختلف الأعمار  باعتبارهن يشتركن مع الأطفال في كونهن الفئات الأضعف في المجتمع  ،  أو ابتزازهن ومن ثم تجنيدهن للإيقاع بضحايا أخريات ، وتلعب عدة عوامل اجتماعية واقتصادية أفرزتها الحرب في تسهيل أعمال عصابات الاغتصاب المنظمة والمدعومة من السلطات ، وهذه القضايا تحتاج إلى ملفات تحقيق أخرى .

خاتمة: وباء لن ينتهي دون مساءلة حقيقية
مما تقدم من وقائع ومصادر ، يتضح أن جرائم الاغتصاب في عدن لم تعد مجرد انتهاكات جنائية فردية، بل تحولت إلى ظاهرة منظمة يعززها التدخل السياسي والأمني لحماية الجناة، كما في قضية الجحافي التي كشفت تورط قيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي، ووساطة هاني بن بريك في قضية دنبع، ورواية تهريب المتهم الرابع (ص.ص) في قضية طفل المعلا . هذه الجرائم المتسلسلة تؤكد أن الضحية ليس طفلاً واحداً، بل مجتمع بأكمله .

 هذا الوباء لن ينتهي بالقبض على عصابة هنا أو منتهك هناك، بل سينتهي فقط عندما تتحقق المساءلة الحقيقية لكبار المتورطين وتفكيك تلك الشبكات وكشف ارتباطاتها والأبعاد الحقيقية لها وإخضاع المتورطين في تلك الجرائم لمحاكمات عاجلة يشهدها الرأي العام  وتغليظ الاحكام القانونية بشأن تلك الجرائم ، وقبل ذلك كله، وضع نهاية للحرب التي أفرزت هذا النمط من الجرائم المنظمة والمتكررة والتي اصبحت ظاهرة مرعبة في اليمن والتي لم تكن معروفة قبل ذلك .