(27) عامًا من مسيرة رئيس ومحطات وطن.. المشير عبدربه منصور هادي في صلب التحولات الكبرى لتاريخ اليمن 

يُعد الرئيس الراحل المشير الركن عبد ربه منصور هادي، ثاني رئيس للجمهورية اليمنية بعد تحقيق الوحدة المباركة عام 1990، وأحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية التي اضطلعت بأدوار محورية ومفصلية في تاريخ اليمن المعاصر، لا سيما خلال الفترة التي أعقبت أحداث عام 2011 وما تلاها من تحولات عسكرية وسياسية عاصفة غيّرت وجه البلاد.

(27) عامًا من مسيرة رئيس ومحطات وطن.. المشير عبدربه منصور هادي في صلب التحولات الكبرى لتاريخ اليمن 

النشأة والتكوين العسكري
وُلد عبد ربه منصور هادي في الأول من سبتمبر عام 1945 في قرية "ذكين" التابعة لمديرية الوضيع بمحافظة أبين (جنوبي البلاد)، وينتمي إلى قبيلة المراشدة. تلقّى تعليمه العسكري الأولي في مدرسة جيش محمية عدن خلال فترة الاستعمار البريطاني، وتخرّج فيها عام 1964، لينخرط بعدها في سلك المؤسسة العسكرية بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي سابقاً)، متدرجاً في مناصبها المختلفة.

منعطف يناير 1986 والانتقال لشمال الوطن
برز اسم هادي عسكرياً كأحد القيادات المقربة من الرئيس الجنوبي الأسبق علي ناصر محمد؛ غير أن أحداث يناير الدامية عام 1986 شكلت المنعطف الأبرز في مسيرته؛ إذ غادر إلى شمال اليمن عقب هزيمة الجناح الذي كان ينتمي إليه، ليستقر في صنعاء وينضم برفقة الآلاف من قادته وجنوده إلى المؤسسة العسكرية للجمهورية العربية اليمنية.

حرب 1994 والترقي لمنصب النائب
عقب قيام الوحدة اليمنية عام 1990، حافظ هادي على موقعه القيادي، وبرز كأحد أبرز القادة العسكريين الجنوبيين الذين انحازوا لصف تثبيت الوحدة والدفاع عن النظام الجمهوري بقيادة الرئيس الراحل علي عبدالله صالح خلال حرب صيف 1994، وهو الموقف الذي عزز مكانته في هرم السلطة، ليصدر قرار بتعيينه نائباً لرئيس الجمهورية في أكتوبر 1994، وهو المنصب الذي استمر فيه لنحو 17 عاماً اتسمت بهدوء شخصيته وقلة ظهوره الإعلامي.

رئيساً توافقياً ومرحلة الحوار الوطني
مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية عام 2011، وجد هادي نفسه في صلب المشهد؛ وتولى مهام الرئاسة بالإنابة عقب إصابة الرئيس صالح في حادثة مسجد دار الرئاسة. ولاحقاً، أصبح الشخصية المحورية لنقل السلطة بموجب المبادرة الخليجية، لينتخب في فبراير 2012 رئيساً توافقياً حظي بدعم إقليمي ودولي واسع.

قاد هادي مرحلة انتقالية معقدة، كان من أبرز محطاتها إطلاق "مؤتمر الحوار الوطني الشامل" الذي شاركت فيه كافة القوى السياسية بما فيها الحراك الجنوبي وجماعة الحوثي، وتمخضت عنه وثيقة "الدولة الاتحادية المكونة من ستة أقاليم". كما سعى خلال هذه الفترة إلى إعادة هيكلة القوات المسلحة وتقليص نفوذ مراكز القوى السابقة، وهي الخطوات التي واجهت ممانعة شديدة.

سقوط صنعاء وعاصفة الحزم
دخلت البلاد نفقاً مظلماً مع تصاعد نفوذ جماعة الحوثي واجتياحها العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014. ورغم توقيع "اتفاق السلم والشراكة"، فرض الحوثيون الإقامة الجبرية على الرئيس هادي في يناير 2015؛ غير أنه نجح في مغادرة صنعاء سراً والوصول إلى عدن، معلناً التراجع عن استقالته وبطلان إجراءات الانقلاب.

ومع زحف المليشيا نحو عدن، غادر هادي إلى المملكة العربية السعودية في مارس 2015 بالتزامن مع انطلاق عمليات "عاصفة الحزم" بقيادة المملكة، ليمثل طوال سنوات الحرب الواجهة السياسية والشرعية الدستورية المعترف بها دولياً لحكومة أدارت شؤونها من العاصمة السعودية الرياض وسط تحديات اقتصادية وإنسانية وعسكرية بالغة التعقيد، تخللتها خلافات وصراعات فرعية قادت إلى توقيع "اتفاق الرياض" لتوحيد الجبهة المناهضة للانقلاب.

التنحي ونهاية الحقبة
في السابع من أبريل عام 2022، أعلن الرئيس عبد ربه منصور هادي في خطوة مفاجئة وفارقة نقل كامل صلاحياته وصلاحيات نائبه إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة الدكتور رشاد العليمي، لتطوى بذلك صفحة حكمه التي امتدت لعشر سنوات كاملة عاصر فيها أحلك الظروف في تاريخ اليمن، ليتوارى بعدها عن المشهد السياسي والإعلامي تماماً حتى وافاه الأجل في الرياض.