اليمن.. احتضار المعادلات القائمة
منذ سنوات، يدور الصراع اليمني في حلقة مغلقة. تتغير المواقع أحياناً، وتتبدل التحالفات أحياناً أخرى، لكن النتيجة النهائية تبقى واحدة: لا أحد ينتصر، ولا أحد ينهزم، ولا أحد يملك القدرة على فرض تسوية مستقرة.
ولسنوات أيضاً، اعتقد كل طرف أن الوقت يعمل لصالحه.
الحوثي اعتقد أن الصمود سيقود في النهاية إلى الاعتراف بشروطه.
والانتقالي - وأنا لم أعد أستخدم مصطلح المنحل لأن ذلك الإجراء نظري تضليلي والواقع يقول غير ذلك- اعتقد أن فرض الأمر الواقع سيقود تدريجياً إلى تكريس مشروعه.
والشرعية اعتقدت أن اعتراف العالم بها كافٍ لإبقائها اللاعب الرئيسي حتى وإن تراجعت قدرتها على الفعل.
والسعودية اعتقدت أن إدارة التوازنات ومنع الانهيار الشامل كفيلان بإنتاج تسوية مستقرة في نهاية المطاف.
لكن ما تكشفه التطورات الأخيرة هو أن الوقت الذي راهن عليه الجميع بدأ يتحول من حليف إلى خصم.
فالحوثي لم يعد يواجه خصوماً عسكريين بقدر ما يواجه سؤال الاقتصاد. والجوع أخطر على الأنظمة من الجيوش، لأنه يضرب البيئة الاجتماعية التي تستند إليها السلطة نفسها.
والانتقالي لم يعد يواجه معركة توسع، بل معركة إثبات وجود. فالمشاريع السياسية تمر بلحظات تصبح فيها المحافظة على ما تحقق أصعب من تحقيقه أساساً.
والشرعية لم تعد تعاني من نقص الموارد أو الدعم فقط، بل من أزمة معنى. فالدولة لا تعيش بالاعتراف القانوني وحده، بل بقدرتها على ممارسة وظائفها وإقناع الناس بجدوى وجودها.
أما السعودية فتواجه معضلة مختلفة. فبعد سنوات من العمل السياسي والعسكري في اليمن، أصبحت كلفة التراجع مرتفعة، كما أصبحت كلفة الاستمرار بالنهج نفسه، وبالأدوات والوسائل ذاتها، مرتفعة أيضاً. وتلك هي المعضلة التي تواجهها اليوم، إذ وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها أي خيار متاح خالياً من الخسائر الجسيمة.
المشكلة أن هذه الأزمات ليست مستقلة عن بعضها كما تبدو للوهلة الأولى. بل إن كل أزمة تغذي الأخرى.
ضعف الشرعية يقوي الحوثي.
وقوة الحوثي تزيد من مخاوف السعودية.
ومحاولات السعودية الحفاظ على التوازنات القائمة ومنع انهيارها تدفع بعض القوى التي ترى نفسها مستهدفة أو متضررة من هذه السياسات إلى الانتقال من التكيف معها إلى مواجهتها.
وتعثر الانتقالي يدفعه إلى البحث عن أدوات ضغط جديدة، بدأت بالمظاهرات والشعارات المنددة بالسعودية والدعوة إلى النفير تحت مسمى “المقاومة الجنوبية
وهكذا تدور الحلقة من جديد.
لهذا فإن ما نشهده اليوم من تعبئة عامة، ونفير، ومظاهرات، ومناوشات، ليس هو الحدث الحقيقي. هذه مجرد أعراض ظاهرة.
أما الحدث الحقيقي فهو أن البنية السياسية التي حكمت اليمن منذ عشر سنوات وصلت إلى مرحلة استنفذت فيها أدواتها وقدرتها على إنتاج حلول جديدة.
الخطر لا يكمن في أن طرفاً واحداً وصل إلى المأزق، بل في أن الجميع وصلوا إليه في الوقت نفسه.
وإذا كان ثمة استنتاج يمكن الخروج به من كل ما يجري اليوم، فهو أن الأزمة لم تعد أزمة هذا الطرف أو ذاك، بل أزمة معادلة كاملة استنفذت أغراضها. لقد راهن الجميع على الوقت واستنزاف الخصوم، لكن الوقت الذي ظنوه حليفاً تحول إلى خصم للجميع،
وباتت الأدوات التي أدارت الصراع لعشر سنوات عاجزة عن إنتاج أي مخرج منه.
ما نراه اليوم ليس صراعاً على المستقبل بقدر ما هو احتضار بطيء للترتيبات التي حكمت اليمن خلال العقد الماضي. والاحتضار مقدمة للموت، ومؤشرات نهاية هذه المرحلة بدأت بالظهور. أما المرحلة التي ستليها، ومن سيصنعها، وإلى أين ستقود اليمن، فذلك ما ستكشفه الأيام.



