عودة الميسري وضرورة اللحظة السياسية

في لحظة إقليمية تتسارع فيها التحولات، وتعاد فيها صياغة خرائط النفوذ والتحالفات، يصبح الحوار بين القيادات الوطنية اكثر من مجرد لقاءات بروتوكولية؛ إنه ضرورة سياسية لقراءة المشهد، واستشراف المستقبل، والبحث عن مخارج واقعية للأزمات التي انهكت اليمن والمنطقة.

تشرفت بلقاء المهندس احمد الميسري، رئيس الوزراء ووزير الداخلية السابق، في جلسة اتسمت بالشفافية والعمق، وتناولت عدداً من القضايا الوطنية، وفي مقدمتها اهمية الحوار الجنوبي–الجنوبي، باعتباره مدخلاً لترتيب البيت الجنوبي، وإدارة الاختلاف بروح الشراكة، وصولاً الى رؤية سياسية تخدم القضية الجنوبية وتعزز فرص استعادة الدولة.

وفي تقديري، فإن اهمية عودة المهندس احمد الميسري في هذا التوقيت لا تكمن في حضوره الشخصي، فهو لم يغب عن المشهد السياسي يوماً، وإنما تكمن في عودته الى واجهة الفعل السياسي في مرحلة تتطلب شخصيات تمتلك رصيداً من المواقف والثبات. فقد ظل حاضراً بمواقفه الرافضة للفساد والعبث السياسي، متمسكاً بما يعده ثوابت وطنية، الامر الذي اكسبه صورة السياسي الذي لم يساوم على قناعاته. ولذلك ينظر كثير من اليمنيين الى هذا الحضور المتجدد باعتباره فرصة للإسهام في تصحيح مسار الحكومة الشرعية، ولمّ شمل القوى السياسية الجنوبية واليمنية، والدفع نحو مشروع سلام حقيقي ينهي الحرب ويعيد للدولة دورها ومؤسساتها.

لقد اثبتت التجربة أن الأزمات اليمنية لم تكن نتيجة غياب الحلول بقدر ما كانت ثمرة لغياب الحوار، وسيطرة الحسابات الضيقة على حساب المصلحة الوطنية. ومن هنا، فإن الحوار المسؤول بين القيادات الوطنية واصحاب الرأي لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة لإعادة بناء الثقة، وإنتاج افكار قادرة على مواكبة تعقيدات المرحلة.

وتزداد اهمية هذه الحوارات في ظل متغيرات اقليمية متسارعة، حيث تتداخل ملفات امن البحر الاحمر وخليج عدن، وتعاد صياغة اولويات الأمن الخليجي، بينما يظل اليمن جزءاً أساسياً من معادلة الاستقرار الإقليمي. ولذلك فإن استعادة مؤسسات الدولة اليمنية لم تعد مصلحة داخلية فحسب، بل ضرورة تنعكس آثارها على امن المنطقة واستقرارها.

لقد كان اللقاء فرصة لتبادل الرؤى حول تحديات المرحلة، وسبل استعادة مؤسسات الدولة، واهمية تغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة. فالاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول الى خصومة، بل الى مساحة للنقاش المسؤول الذي يفتح آفاق التوافق، ويؤسس لشراكة وطنية قادرة على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة المستقبل.

كل التقدير للمهندس احمد الميسري على سعة صدره، وكرم الاستقبال، والنقاش الهادف. ويبقى الأمل أن تتحول مثل هذه الحوارات الى نهج دائم بين مختلف القوى الوطنية، لأن اليمن اليوم احوج ما يكون الى رجال دولة يؤمنون بأن السلام يبدأ بالحوار، وأن بناء الدولة لا يتحقق الا بالشراكة، وبإعلاء المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات.