من يحكم سماء اليمن؟
لم تعد القضية في هبوط طائرة ايرانية خارج الاطر القانونية، بل في الرسالة السياسية التي حملها هذا الهبوط. فحين تدار الاجواء والمنافذ اليمنية بإرادة مليشيا مسلحة وبدعم دولة اجنبية، تصبح السيادة نفسها هي المستهدفة. وعندما يتزامن ذلك مع استمرار الاعتداءات الحوثية على المملكة العربية السعودية، فإن ما يجري لم يعد مجرد خرق للاجراءات، بل محاولة لفرض واقع سياسي جديد يتجاوز حدود اليمن الى أمن المنطقة باسرها.
الاخطر من ذلك، ما تبع الحادثة من تصريح البعثة الايرانية لدى الامم المتحدة، والذي مثل اعترافاً صريحاً بالتدخل في الشأن اليمني بعد سنوات من الانكار والمراوغة. فهذا التصريح لم يكن مجرد موقف سياسي، بل كشف حقيقة الدور الايراني، واسقط الرواية التي دأبت طهران على ترويجها امام المجتمع الدولي، والقائمة على نفي تدخلها المباشر في اليمن. كما أن اضفاء صفة التمثيل على مليشيا انقلابية لا يعد انتهاكاً لسيادة اليمن فحسب، بل يمثل تحدياً مباشراً لميثاق الامم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، وللاجماع الدولي الذي يعترف بالحكومة اليمنية الشرعية ممثلاً وحيداً للشعب اليمني.
ولذلك، فإن محاولة طهران تسويق تدخلها في اليمن تحت عنوان "دعم السلام" تتناقض مع الوقائع على الارض. فالسلام لا يبدأ بتجاوز مؤسسات الدولة، ولا يترسخ عبر اضفاء الشرعية على سلطة الامر الواقع. وما شهدته اليمن خلال السنوات الماضية يؤكد أن كل خطوة عززت نفوذ المليشيات كانت تعني، في المقابل، خطوة اخرى نحو اطالة امد الحرب، وتعقيد فرص التسوية السياسية، وتهديد أمن الملاحة الدولية واستقرار المنطقة بأسرها.
وفي المقابل، كشفت الحكومة اليمنية أن الخلاف لم يكن يوماً حول حق المواطنين في السفر، وإنما حول الجهة التي تملك القرار السيادي في ادارة المطارات والمنافذ. فمن خلال طرحها مساراً قانونياً لتشغيل مطار صنعاء عبر الخطوط الجوية اليمنية، سحبت الذريعة التي طالما استخدمتها المليشيات لتبرير تجاوز مؤسسات الدولة، واعادت تعريف القضية بوصفها قضية سيادة قبل أن تكون قضية نقل جوي. فالمشكلة لم تكن في تسيير الرحلات، بل في محاولة تكريس ادارة موازية تنتزع من الدولة احد اهم مظاهر سيادتها.
لقد غدت هذه القضية اخطر من أن تختزل في كونها قضية يمنية فحسب، إذ غدت اختباراً لمدى التزام النظام الدولي بمبادئ السيادة والشرعية التي قام عليها. فإذا عجز المجتمع الدولي عن حماية سيادة دولة عضو في الامم المتحدة، وعن الزام الجميع باحترام قرارات مجلس الأمن، فإن الرسالة التي ستصل الى العالم ستكون أن موازين القوة باتت تتقدم على قواعد الشرعية. فأي معنى يبقى لقرارات مجلس الأمن إذا اصبحت سيادة الدول قابلة للتجاوز دون مساءلة او رادع؟ ومن هنا، لم يعد الدفاع عن السيادة اليمنية مطلباً وطنياً فحسب، بل اصبح دفاعاً عن مصداقية النظام الدولي القائم على احترام سيادة الدول، لأن السلام لا يبنى على شرعنة الانقلاب. فالسيادة ليست بنداً على طاولة المفاوضات، بل الاساس الذي تبنى عليه الدولة ويصان به السلام.



