(مهارات الكتابة الوظيفية في عصر الذكاء الاصطناعي)أو كيف يتجدد الكتاب مع تجدد العصر

(مهارات الكتابة الوظيفية في عصر الذكاء الاصطناعي)أو كيف يتجدد الكتاب مع تجدد العصر

بقلم محمد باسنبل

حين تصدر طبعةٌ ثانيةٌ لكتابٍ ناجح، فإن القارئ يتوقّع عادةً تحسيناتٍ طفيفة، أو تصويباتٍ محدودة، أو زياداتٍ يسيرة لا تكاد تُغيّر من هوية العمل شيئًا. غير أن ما فعله الأستاذ الدكتور مسعود عمشوش في الطبعة الثانية من كتابه (مهارات الكتابة الوظيفية) يتجاوز هذا المألوف تجاوزًا كبيرًا؛ فنحن هنا لسنا أمام طبعةٍ ثانيةٍ مُنقّحة، بل أمام كتابٍ وُلد من جديد، احتفظ بجذوره الراسخة، وامتدّت أغصانه لتُظلّل عصرًا لم يكن قائمًا حين صدرت الطبعة الأولى.

ولستُ في هذا التقديم أُجامل صديقًا، وإنما أُسجّل شهادةً موضوعية لباحثٍ ظلّ، طوال أكثر من أربعة عقود، وفيًّا لرسالته في خدمة اللغة العربية وأهلها، حريصًا على أن تظل هذه اللغة قادرةً على مواكبة كل جديد، حاملةً لواء التواصل والفكر والإبداع في زمنٍ تتسارع فيه المتغيّرات تسارعًا يكاد يعصف بالثوابت.

أولًا- من (مهارات الكتابة الوظيفية) إلى (الكتابة في عصر الذكاء الاصطناعي):

يكفي أن يقف القارئ عند العنوانين ليدرك حجم التحوّل الذي طرأ على هذا العمل. فقد صدرت الطبعة الأولى عام 2024 تحت عنوان (مهارات الكتابة الوظيفية) وقد قمت حينها بتقديمها، ووقعت تلك الطبعة الأولى في مئة صفحة، مقسّمةً إلى ثماني عشرة مفردةً متتابعة، عالجت الأسس النظرية للكتابة العملية، وأرفقتها بنماذج وتمارين تطبيقية. أما الطبعة الثانية، فقد صدرت عام 2026 تحت عنوان (مهارات الكتابة الوظيفية في عصر الذكاء الاصطناعي)، ووقعت في مئتين وتسع صفحات؛ أي إن حجم الكتاب قد تضاعف مرتين تقريبًا.

وليست هذه الزيادة مجرد إضافةٍ كمّية، وإنما هي إعادةُ تأسيسٍ منهجي شامل. فقد انتقل المؤلف من تنظيم الكتاب على هيئة (مفردات) متتابعة، إلى بنيةٍ محكمةٍ من تسعة عشر فصلًا مترابطًا، يبدأ كلٌّ منها بتمهيدٍ نظري يؤصّل للموضوع، ثم ينتقل إلى التطبيق العملي، وينتهي بتمارين وأنشطة رقمية تختبر ما اكتسبه القارئ من مهارات.

والمقارنة بين قائمة المحتويات في الطبعتين تكشف عمق هذا التحوّل. فبينما كانت الفصول في الطبعة الأولى تحمل عناوين مثل (تعليم اللغة بوصفها مهارات) و(مهارة التلخيص) و(العصف الذهني)، صارت في الطبعة الثانية تحمل عناوين تعكس روح العصر، من قبيل: (الكتابة الوظيفية في عصر الذكاء الاصطناعي)، و(مهارة التلخيص الذكي في العصر الرقمي)، و(المقالة العربية من كراسة الورق إلى عصر الذكاء الاصطناعي). إنه إعلانٌ صريحٌ عن أن الكتاب لم يعد يخاطب كاتبًا يجلس أمام صفحةٍ بيضاء، بل كاتبًا يُدير حوارًا ذكيًّا مع أنظمةٍ رقمية باتت جزءًا من بيئته اليومية.

ثانيًا- الفصل الأول… حجر الأساس في البناء الجديد:

لعلّ أبرز ما يميّز هذه الطبعة أن الدكتور عمشوش خصّص الفصل الأول بأكمله لموضوع (الكتابة الوظيفية في عصر الذكاء الاصطناعي)، فجعله بوابةً يدخل منها القارئ إلى الكتاب كله، ومفتاحًا يفهم به بقية الفصول.

وقد بدأ المؤلف هذا الفصل بلمحةٍ تاريخيةٍ ذكية، ربط فيها بين المنعطفات الكبرى في تاريخ المعرفة الإنسانية — من اختراع الطباعة، إلى ظهور الحاسوب والإنترنت — وبين ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي عدّه منعطفًا لا يقلّ أهميةً عن تلك المنعطفات. ثم انتقل إلى بيان الكيفية التي غيّر بها الذكاء الاصطناعي مفهوم الكتابة الوظيفية نفسها، فأوضح أن الكاتب لم يعد يبدأ دائمًا من صفحةٍ بيضاء، بل أصبح في كثيرٍ من الأحيان مديرًا لعملية إنتاج النص، لا مجرد ناسخٍ للكلمات.

وقد قدّم المؤلف في هذا الفصل جملةً من الأدوات التي لا غنى لأي كاتبٍ اليوم عنها، وعلى رأسها مهارة تحرير الطلبات (Prompting)، التي أفرد لها مساحةً واسعة، شارحًا مفهوم الطلب، ومبيّنًا لماذا تختلف إجابات النظام باختلاف صياغة الطلب، ثم مقارنًا — بأسلوبٍ عملي محسوس — بين طلبٍ ضعيفٍ عامٍّ من قبيل «اكتب تقريرًا عن السياحة»، وطلبٍ احترافيٍّ دقيقٍ يحدّد الحجم، والجمهور، والأسلوب، والمحاور. وقد توّج المؤلف هذا الفصل بـعشر قواعد ذهبية لكتابة طلبٍ احترافي يُوجَّه إلى أنظمة مثل ChatGPT وGemini وClaude وCopilot، جعل منها خلاصةً منهجيةً يمكن للقارئ أن يعود إليها كلما أراد أن يتعامل مع هذه الأنظمة تعاملًا رشيدًا.

ثالثًا- التغييرات الكثيرة التي أُدخلت على فصول الطبعة الأولىك

لم يكتفِ المؤلف بإضافة فصلٍ تمهيدي، بل أعاد صياغة معظم فصول الطبعة الأولى ليواكب المتغيّرات التقنية والمنهجية. وقد كان هذا الجهد التحديثي واضحًا في كل فصلٍ من فصول الكتاب.

فمهارة التلخيص لم تعد مجرد اختصارٍ يدويٍّ للنصوص، بل أصبحت — كما يسمّيها المؤلف —عمليةً هجينةً تجمع بين الفهم البشري والقدرة التقنية للآلة، وقد نبّه المؤلف بذكاءٍ إلى خطر «الهلوسة الرقمية» (AI Hallucination) التي قد تقع فيها نماذج الذكاء الاصطناعي حين تُلفّق معلوماتٍ لا وجود لها في النص الأصلي.

وأما العصف الذهني، فقد انتقل به المؤلف من كونه ممارسةً جماعيةً بشرية، إلى شراكةٍ مع الآلة، مبيّنًا كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون (محفّزًا فكريًّا) يتيح توليدًا غير محدودٍ للأفكار دون حرجٍ اجتماعي. كما جدّد المؤلف فصول تدوين المحاضرات والامتحانات الشفهية والبحث العلمي والعرض الشفهي وكتابة التقارير ومحاضر الاجتماعات والرسالة الإدارية، فأضاف إلى كلٍّ منها بُعدًا رقميًّا، وبيّن كيف تُوظَّف الأدوات الذكية في إنجازه، مع التنبيه المستمر على ضرورة المراجعة البشرية.

وقد أرفق المؤلف بكل فصلٍ تقريبًا تمارين تطبيقية تدرّب القارئ على التعامل مع برامج الذكاء الاصطناعي، وأهمها كيفية صياغة الطلب (Prompt) بدقة. ومن أطرف هذه التمارين وأنفعها ذلك التمرين الوارد في فصل التلخيص، حيث يُطلب من المتدرب أن يكتب أمرًا (Prompt) دقيقًا يوجّهه إلى أحد النماذج لتلخيص نصٍّ معيّن، مع تحديد نسبة التقليص، وصيغة المخرجات، والحفاظ على الأمانة العلمية.

 رابعًا- البُعد الأخلاقي… ضمير الكتابة الرقمية:

من أعمق ما يُحسب لهذه الطبعة، وأجدره بالتوقف عنده، أن المؤلف لم ينبهر بالتقنية انبهارًا يُفقده اتزانه، ولم يُسلّم بها تسليمًا يُغيّب دور الإنسان؛ بل حرص في كل فصلٍ من فصول الكتاب على التذكير بأن الذكاء الاصطناعي مساعدٌ لا بديل، وأن المسؤولية العلمية والقانونية والأخلاقية تظل على عاتق الإنسان وحده.

وقد بلغ هذا الوعي الأخلاقي ذروته في تأكيد المؤلف المتكرّر على أن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك وعيًا إنسانيًّا، ولا يتحمّل مسؤوليةً علمية أو قانونية أو أخلاقية عمّا ينتجه من نصوص، وقد يخطئ في فهم السياق أو يورد معلوماتٍ غير دقيقة أو غير موثّقة. وهذا التوازن الدقيق بين الانفتاح على الجديد والتمسك بالثوابت هو ما يمنح الكتاب رصانته ومصداقيته، ويجعله دليلًا موثوقًا في زمنٍ كثُرت فيه الدعاوى المتطرفة، بين من يرى في الذكاء الاصطناعي نهايةً للكاتب.

وبناء على كل ما تقدّم، أجزم أن هذا الكتاب في طبعته الثانية لا يمكن أن يستغني عنه اليوم أي قارئٍ يريد ممارسة الكتابة، أستاذًا كان أم طالبًا أم مدير مؤسسة؛ فهو يجمع بين أصالة اللغة العربية، وكفاءة الأداء المهني، وحسن توظيف التقنيات الحديثة، في نسيجٍ واحدٍ متماسك.

وفي الختام لا يسعني إلا أن أحيّي الأستاذ الدكتور مسعود عمشوش على حرصه على إصدار كتابه بالتزامن مع انعقاد المؤتمر الدولي الأول للتحول الرقمي والابتكار والتنمية المستدامة، الذي تنظّمه جامعته، جامعة عدن، ابتداءً من يوم غدٍ الموافق العشرين من يوليو 2026. وما هذا التزامن إلا تعبيرٌ صادقٌ عن رجلٍ ظلّ طوال مسيرته العلمية سبّاقًا إلى مواكبة المستجدات، مؤمنًا بأن الكلمة الرصينة تظل قادرةً على أن تُضيء الطريق، مهما تبدّلت الأدوات وتغيّرت الوسائل.

محمد باسنبل عدن 19 يوليو 2026